نفحات عبقة من حياة الشهيد

الشهيد دخيل حسين الفندي شهيد الصحراء. والد الشهداء فرحان وعدنان وبرهان. عندما أمسك قلمي لا أستذكر وأخلد حياة الشهداء وأنما  أتبعد عن عالم الوجود الحالي وتتنقل بي ذاكرتي الى سبعينات وثمانينات القرن الماضي ، وأشعر كأنهم حاضرين معي بحركاتهم وسكناتهم. فوالله الواحد الأحد أني أحس وكأن أرواحهم تطالبني بتخليدهم ،  نعم لكم الخلود في الدنيا والآخرة وهذا واجب الأحياء وهو حق علينا من الشهداء الأبطال الذين  وقفوا بجهادهم ضد أبشع نظام  شهده التاريخ. الحاج دخيل حسين الفندي من الرجال الكادحين ، ومن عائلة فقيرة الحال. توفى أبوه وسعى لتأمين لقمة العيش الحلال لأخوه وأخواته الأطفال. عمل بأكثر المهن صعوبة ومشقة في ذلك الوقت  (عامل طوف ) لبناء جدار بساتين بلد من الطين.  وفي موسم الصيف كان يعمل بتعبئة العمل في السلال  ( القفاص ) كأجير. لقد كان الشهيد دخيل أميناً صادقاً ولم أشاهده يوما يترك حبة ( حصرم ) واحدة في عنقود عنب أسود. كان نظيفاً نصوحاً بالعمل وبكده وكدحه وجهده تحمل نفقات العائلة وأمن ما يحتاجه أولاده من مصاريف وملابس ومستلزمات من أجل الدراسة لتحصيلهم العلمي. وفعلا تحقق له ما أراد وأصبح ابنه الشهيد  فرحان معلماً والشهيد عدنان مساعد طبيب في مستشفى بلد والشهيد برهان مستمر على الدراسة. وعندما نشئوا أولاده وحصلوا على ما أرادوا وأراد والدهم الشهيد دخيل فأصبحوا عونا لأمهم وأبيهم الذي ضحى بكل شيء من أجلهم. وبعد ان أتعبه الدهر تسلط عليهم وباء البعث الفاشي الذي حارب العوائل المثقفة الواعية الصادقة في بلد. فأخذ هذا الوباء اللعين ينخر بأجسادهم الواحد تلو الآخر فالاعتقلات قد شملت فلذات أكباده ،  ولم يبقى أحد في البيت سوى الشهيد دخيل وزوجته الصابرة على ما دار عليها من مصائب. حتى جاء يوم السبي البعثي لأشرف وأنبل العوائل في   بلد  عام 1982.  أعتقلوا العم دخيل وزوجته ، وفي أمن بلد السيئة الصيت بدأ تعذيبهم ليلة واحدة كأنها قرن من الزمان. لا على شيء وأنما لثقافة ووعي أولاده الشهداء. وفي الفجر رحلوا الى مديرية الأمن العامة الغبراء وبقي هو وزوجته لأيام للتحقيق وكيف هو التحقيق؟؟ مع هذا الرجل الطاعن في السن الفاقد لأولاده. انهم ضربوك بالسياط حرموك الماء والغذاء ياعم دخيل. فتباً وسحقاً  للأوغاد رجال الأمن العامة. وبعدها رحل الشهيد دخيل وزوجته الى أرض صحراء قاحلة لا يعيش فيها نبات ولا طير.انها في محافظة السماوة    الشيحات  ويالها من شيحات. لم تمضى سوى أشهر معدودة حتى توفي الحاج دخيل في هذا المكان المقرف اللعين بعد ان كان يعاني من المرض الذي سببه له البعثيين الأوغاد بالضرب والجوع والعطش ونقص الغذاء وفقدان الدواء   وفراق  أولاده. مات الحاج دخيل مسلوباً محروماً من وداع فلذات كبده ومن تشييع يهيب بكبر سنه. أبلغونا منتسبي أمن بلد اللقطاء وبوقاحة  ان العم دخيل قد توفي في الصحراء فتعالوا لاستلامه. فمن يستلمه وقد حرمت بلد من الشباب ، فمنهم من اعتقل ومنهم من أستشهد وأما الباقون فقد هربوا خارج بلد وفي المحافظات. ولم يبقى لدينا سوى المرحومين  محمد نجيب  عبد  المحسن  وعلي  عبد ألأمير  الخالد. ذهبوا الى مستشفى السماوة لاستلام جثمانه الطاهر ولقد أبلغوا في أمن بلد وأمن السماوة أن عملية دفن الشهيد لا تكون الا ليلا وبصورة سرية. وأن لا يعلموا احد من الباقين عن مكان قبره. وبهذا أخذوا تعهداً خطياً من المرحومين بتنفيذ ما طلب منهم والا فمصيرهم الأعدام. أما من ناحية قضاء بلد فقد بلغوا أقرباء الشهيد من النساء الطاعنات في السن بعدم البكاء أو اقامة اي مراسيم للعزاء ،  وحتى أرتداء الملابس السوداء.  أيا لخسة الكفرة العفالقة، كم أنتم جبنا تخافون عويل النساء ولا تخافون قضاء السماء.  فلكم  لكم يوم للحساب أعتقدتم أنكم خالدون على رقاب العراقيين ألا ساء ما كنتم تفعلون. ايها الفجرة الملعونون  لقد كفانا الله عز وجل شركم وشر بعثكم. وستلعنون الى يوم قيام الساعة. وسيبقى شهدائنا مناراً لنا خالدون كما خلد شهداء كربلاء. فرحمك الله ياعم دخيل ورحم أولادك الشهداء وجعل اللقاء بينكم مع الحسين عليه السلام في الفردوس.

 

جميع الحقوق محفوظة لشبكة إرث العراق