|

نفحات
عبقة من حياة الشهيدة
مقتبس من كتاب (مذكرات سجينة)
الشهيدة عواطف : الجسد المُمزَّق بين كُرسي الكهرباء وتجارب
الكيمياء
* قرابين
الفجر الموعود
* السيرة الذاتية
* جحيم في شهر العسل
* الجلّاد عامر .. الذئب
* الاختراق المر والاعتراف
* ضريبة حرق المراحل
* مخاض في زنزانات التعذيب
* الفطام القهري
* توديع تويجات الزنابق
* بغداد لِمَ هذا التياؤب ؟!
* مهرجان الاعدام الجماعي
* أنين الصحارى
* الفرحة بعد صلاة الوحشة
* تجارب الكيمياء وكرسي الكهرباء
* شهيدة في أربعينية شهيدة
************************************
عواطف !
ياوردة ربيعية عصفت بها رياح الزمهرير ..
وياريماً تخطّفَتهُ ذئاب الليل المجنونة ..
ويابطلة المقاومة وراية التحدّي في زمن الهزيمة والخنوع ..
ان "جميلة بوحيرد" تنحني إجلالاً لبسالتكِ .
سيبقى استشهادك على هذا النحو الفجيع ادانة لهذا العصر المثقَل
بالخطيئة والاثم ، وادانة لنا جميعاً ..
لاننا تركناكِ تقاتلين وحيدة ، نظاماً متوحشاً مدجّجاً بكلِّ وسائل
التعذيب واسلحة الدمار .
*
الإهداء :
الى الصامتة التي امتلأت حكايا ..
الى الصامدة التي تمزقت صبراً ..
الى الأمنيات الضائعة ، لأجل أُمنية الشهادة ..
الى مخاض الزنازين .. الى الفطام القهري ..
الى التي كانت - دوماً - تدعو الى الشهادة فكانت أم دُعاء ..
فالى روح أم دعاء ، أهدي هذه الكلمات .. وأرجو من اللَّه القبول.
*
قرابين الفجر الموعود
قارئي العزيز ، مرةً أخرى أدعوك لتركب معي زورق الذكريات الذي ما
زال يمخر في عباب بحر الطاغوت بأتجاه ميناء الشهادة حيث قرابين
الفجر الموعود ..
ونحنُ نحرصُ - في كلِّ مرّة - أن نختار نماذج منتقاة من شهيدات
رائدات ، كل واحدة منهنَّ تمثّل كوكبة خيّرة من شرائح العمل النسوي
، حيث ماتزال مناجل الشر تجتث أزهار الخير والفضيلة من على أرض
العراق الطيبة ..
ذئاب تربّت في مستنقعات الرذيلة ، حتى صار من طبعها أن تفترس من
غير جوع ، اللهم سوى شهوة القتل وزهق الأرواح!
باقة عطرة من ورود الحرية الحمراء ، امتدّت لها يد الفرعون
لتنتزعها من حديقة الزهراء3 .
ثلاث زينبيات امتلأن حشمةً ووقاراً ، مُكلّلات بأبراد العفّة
والفضيلة ، كُنَّ من خيرة الفتيات اللاتي تتوجت بهنَّ تلك المرحلة
من تاريخ عراقنا المقهور .. حصد الطاغوت البعثي أنفاس الحياة من
على صدورهنَّ ..
إحداهُنَّ داسها الغول البعثي ، فكانت العلوية (فاطمة الحسيني
الطالقاني) ، وإثنتان بقيتا ينتظران الموت بشموخٍ وكبرياء فكانتا :
(عواطف الحمداني وأمل الرُبيعي) ..
فلنعطِّر أرواحنا بأريج إحداهُنَّ ، ولنرجع الى الأخرى في فصلٍ
قادمٍ إن شاء اللَّه ..
فاليك قارئي العزيز سطوراً ناصعة من سجلِّ حياةِ بطلةٍ .. إنها
الشهيدة عواطف الحمداني .
الهوية
الشخصية
الاسم :
عواطف نوري الحمداني
المواليد :
«1961م» ، بغداد - منطقة الحرّية - وقد إنتقلت الأسرة فيما بعد الى
منطقة القادسية ببغداد .
المستوى
الدراسي :
الجامعة التكنولوجيا ببغداد ، هندسة الكترونيك - المرحلة الثالثة
الحالة
الزوجية :
تزوجت في «1981/9م» من الشهيد «علي ناصر الشاوي»
- الشهيد علي ناصر الشاوي ؛ من مواليد الكوت (الحيّاوية) إنتقل الى
العاصمة بغداد للسكن والتجارة والعمل الجهادي العسكري .
مواصفاتها
: عواطف
فتاة جميلة ذات وجه بيضوي ناصع البياض ، وطول متوسط رشيق .. أخوها
هو الشهيد البطل (رَفَل نوري الحمداني) .
تاريخ
الإعتقال :
(1981/11م) .
التهمة :
قضية تنظيم + قضية سلاح .
سبب
الإعتقال :
إختراق .
جهة
الإعتقال :
مديرية الأمن العامة .
الجلاد :
رائد عامر + ملازم حازم
المحكمة :
محكمة (الثورة) العسكرية .
القاضي :
المرافعة الأولى في 1982/9/30م المجرم مسلم الجبوري .. والمرافعة
الثانية للاعدام في 1982/11/15م المجرم عوّاد البندر.
تاريخ
الإستشهاد :
مطلع عام «1983م» في سجن أبو غريب المركزي - قاطع الاعدام النسوي -
وكان لها من العمر «22» ربيعاً .
السيرة الذاتية
ولدت عواطف في بغداد ، من عائلة شيعية غير متدينة ، تسكن مدينة
(الحرية) الشعبية المجاورة لمدينة الكاظمية المقدسة .. إنسلخت هي
وأخوها «رَفَل» عن - الشهيد السعيد (رَفَل) نال وسام الشهادة -
فيما بعد - على يد المجرم الجلّاد رائد عامر .
الجو العائلي الضاغط الذي يحيط بها .. فهي ذات مستوى ديني وثقافي
عالٍ جداً .
تفوقت في دروسها حتى حصلت على معدّلٍ عالٍ سمح لها بدخول الجامعة
التكنولوجيَّة ببغداد ، وتلك كانت أُمنيتها منذ صباها .
كانت عواطف متزنة متواضعة ، واسعة الذهن دمثة الطبع .. سمات
الإيمان والتدين واضحة على معالم وجهها ، ذات روحية تعبدية متميزة
وسلوكية محبوبة لدى الجميع ، فهي تتعفف من الاختلاط بشباب الجامعة
وحتى من الجلوس في النادي (قاتلْ هواك بعقلك) .. وجهها الذي تميز
بالجمال والوقار كان يشع نوراً وحيوية ، -
لذا وبسبب ما رزقها اللَّه من نعمة الجمال فقد اتخذت من غض البصر
عادة جميلة ووقايةً من أعين الفضوليين ومرضى القلوب ، سيما وقد
انتقل أهلها للسكن في منطقة القادسية القريبة من منطقة الحارثية
التي يقطنها أغلب رجال السلطة والحزب ، وهي منطقة حساسة ومعروفة
بولائها للفرعون وباستغراقها في الدنيا .. فكانت الفتاة المحجبة في
تلك الأماكن تحتاج الى شجاعةٍ وإرادة لكي تصمد أمام الشكوك
والمضايقات التي تأتيها من الآخرين ، فضلاً عن مضايقات الأهل الذين
كانوا يحرصون عليها ويخافون على مستقبلها من أفكارها !
تقول
إحدى صديقاتها السجينات :
- السجينة المجاهدة نهلة هادي نجف ؛ طالبة في كلية الادارة
والاقتصاد - جامعة بغداد - اعتقلت عام 1982م بتهمة الانتماء للحركة
الإسلامية ، وحكمت عليها محكمة (الثورة) العسكرية بالسجن سبع سنوات
. أطلق سراحها في عفو عام 1986م .
«عواطف صديقتي ، وتسكن في نفس الحي الذي أسكنه - منطقة القادسية -
فهي طيبة وحبّابة ، وقلبها صافٍ جداً وخالص للَّه ، كانت متعبدة
زاهدة ، فهي رغم ثراء أهلها تعيش البساطة وترتدي العباءة والملابس
المتواضعة .. أتذكّر كانت تأتيها أناشيد إسلامية كهدايا من
صديقاتها في لبنان فتوزعها علينإ وتشجعنا على سماعها .
كان أهلها - رغم أخلاقهم الطيبة - غير ملتزمين دينياً ، فكانت هي
وأخوها الشهيد (رفل) كأنهم زهور نبتت بين الأشواك ، كانوا يرفضون
الجو العائلي الذي كثيراً ما كان يسودهُ أغاني التلفزيون وما شابه»
..
لكن عواطف لم تركن الى الدنيا ، فهي لم تنحنِ أمام ابتسامات
الأيام الهادئة ولم تنخدع ببريق المستقبل العلمي المشرق الذي
ينتظرها مادام مستقبل العراق مظلماً في ظل هذه العصابة التي تريد
محق الدين .
لقد آمنت بطريق ذات الشوكة ، فهو - وحسب رأيها - الأصوب لنيل إحدى
الحسنيين ، فكانت تقول لمن يشكّك في صواب منهجها : (في عراقنا
بالاضافة الى نهري دجلة والفرات نهر ثالث هو نهر الدم الذي مازال
يتحدّى الجفاف ! فماذا تريديني أن أنسى !؟ فالظلم لايطغى الّا
بالصمت والخنوع .. تلك هي بيانات الرسول : «إذا لم يأمروا بمعروف
ولم ينهوا عن منكر ولم يتّبعوا الأخيار من أهل بيتي ، سلّط اللَّه
عليهم شرارهم ، فيدعو عند ذلك خيارهم فلا يُستجاب لهم» ،
«لتأمرنَّ بالمعروف ، ولتنهنَّ عن المنكر ، أو ليعمنّكم عذاب
اللَّه» ، «انَّ الناس إذا - الوسائل: 407/11 .
رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك ان يعمّهم اللَّه بعقابٍ
منه».
لذا قررتْ المضي قُدماً في منهجها ، فسارت في دروب الجهاد بوعي
ويقظة رغم ظروفها العائلية الخانقة والأمنيّة القلقة ، وصار زادها
إحدى الحسنيين ، بَيْد ان الشهادة كانت الاشراقة الأقرب الى
روحها من بين كل الأمنيات التي غرقت في بحر الظلام (إنّ الله قد
جعل حُب الموت علامة الايمان) .
- المجاهد الكبير جمال الدين الافغاني .
نعم .. لقد إنسحبت من الجامعة بعد أن قرروا إعتقالها ، فأنطفأت
شمعة الحُلم في أن تصبح مهندسة تنفع مجتمعها وبلدها .
زواج في ظرف استثنائي
كانت (عواطف) تشكّل رقماً فعّالاً في خلية نسوية مرتبطة بالخط
العسكري الذي يشرف على مسؤوليته (علي ناصر الشاوي) ، وهو شاب
مجاهد من مواليد 1959م الكوت (الحي) ، خرّيج الدراسة الاعدادية ،
متوسط الطول حنطي البشرة أخضر العينين .. شجاع دمث الأخلاق شفّاف
سريع النكتة ، عالي الثقافة سياسي الحوار ، من عشاق المرجع الشهيد
السيد الصدر فكراً ومنهجاً .. إنتقل الى بغداد ليعمل في التجارة
وليمارس نشاطه التنظيمي وليشرف فيما بعد على عمليات نقل السلاح
وتوزيعه للخطوط والخلايا الفرعية العسكرية بين بغداد والمحافظات
الأخرى .
كان قد اختار (علي ناصر الحيّاوي) الإنتماء الى تنظيمات حزب
الدعوة الإسلامية ، وباخلاصه وتفانيه في ذات اللَّه والوطن احتل
موقعاً متقدماً ضمن مجموعة تؤمن بالعمل المسلح - الخط العسكري -
الذي أصبح حينذاك خبز الثائرين والمحرومين حيث كانت تلك المرحلة
مرحلة مواجهة متقدمة مع النظام الجائر .. وبعد تسلّمه مسؤولية الخط
وللضرورة قام باختيار مجموعة من الزينبيات اللاتي توفرت فيهنَّ
روحية الإستشهاد وشروط الوعي العالي والدقة والحذر .. وكانت عواطف
إحدى فتيات تلك الخلية النسوية المنتقاة والتي طالما ساعدته في
نقل الأسلحة وتوزيعها عبر مفارز التفتيش على عدد من الخلايا
الجهادية في تنظيمات الخط العسكري لحزب الدعوة الإسلامية .
استمر نشاط الخلية بنجاحٍ ويقظة حتى عام «1981م» وكانت عواطف قد
تسلّقت هرم الخلية بنجاح حثيث وعزيمة ثابتة .. كان إخلاصها نادراً
، فقد امتازت بحيوية قلَّ نظيرها في بنات جيلها حتى صار النشاط
الجهادي والتضحوي سياحتها اليومية .. «سياحة أُمتي الجهاد في سبيل
اللَّه» .- حديث شريف
ولأن الطاغوت قد زرع الرعب في كل شبرٍ من عراقنا الآمن ، فالمخبرون
- وكلاء السلطة - والرفاق المرتزقة كانوا منتشرين في الشوارع
والأزقة يحصون أنفاس المؤمنين ، حيث غاصت بغداد في أجواء من الرعب
والدمار .
وعندما وجدت دوائر أمن النظام في (عواطف) عدوّاً لباطلهم قرروا
اعتقالها فراقبوا المنزل ثم داهموه عدّة مرات ، لكنهم عجزوا عن
العثور عليها بسبب يقظتها .. «إنما شيعتنا أصحاب الأربعة الأعين،
عينين في الرأس وعينين في القلب»
استمرت عواطف في مسيرة الدرب اللاحب رغم ظروف المطاردة والاختفاء
لأنّ (مَن يستغن يعمل جاهداً) .
بعدها قررت - وأخوها - ترك المنزل هرباً من مداهمات ذئاب الأمن
وليتحرّروا من سلطة الأهل ، فقد كان موقفهما - هي وأخيها - قوياً
لاتراخٍ فيه حيث : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» .
تقول
عواطف :
عندما قررنا الهرب من منزلنا المراقب ، ودّعت أهلي فرداً فرداً ..
وها أنا مازلت أستشعر قطرات الدمع التي بلّلت وجهي والتي انهمرت من
عيني أُمي .. سيما وان مسؤول الخلية (علي ناصر) قرر أن يتقدم
لخطبتي ..
ولوحدة العمل وظروف الإختفاء قررا - علي الحيّاوي وعواطف الحمداني
- أن يتزوجا ليكون تحركهما شرعياً ، سيما وقد وجدت (عواطف) فيه
رجلاً مجاهداً مخلصاً أعطى لدينه ووطنه كل ما يملك من وقتٍ وجهد
(ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون
الجنة ولا يظلمون نقيراً) .- سورة النساء : 124 .
وهكذا تزوجت عواطف ، وتمَّ عقد الزواج في جوٍّ هادىءٍ بعيدٍ عن
مظاهر البذخ وغلاء المهور .. وزُفَّت اليه في ظروف خاصة غير مألوفة
، حيث لا أهل ولا خلّان ، اللهم إلّا القليل القليل .. كان ذلك في
«1981/9م» ، لذا كانت تسافر معه الى بعض المحافظات لتنقل قطع
السلاح عبر مفارز التفتيش وبنجاحٍ تام .
جحيم في شهر العسل !
تزوجا واختفيا في بيت متواضع .. ورغم ذلك لم يدم عش الزوجية الّا
قليلاً ، - حضر زفاف الشهيدة عواطف ؛ الأخت السجينة «آ . ح . ح»
وزوجها الشهيد «...» فقط.
كان حلماً ربيعياً سرعان ما انتهى .. لقد حلّقت السعادة بعيداً -
والى الأبد - عن هذا القلب الطيب المتعب ، فقد تم اعتقالهما معاً
أثناء قيامهما بمهمة نقل أسلحة في سيارتهما الخاصة ، حيث تم
الايقاع بالبطلين بسبب اختراقٍ مُر ومكيدةٍ غادرة !
يقول
أحد السجناء :
- السجين (أبو عقيل الفرطوسي) ؛ داعية قديم أُعتقل في أحداث رجب
عام 1979 م وأُطلق سراحه ، ثم أُعتقل مرّة أُخرى يوم 1982/7/29م
فسجن وخرج من (أبو غريب) يوم 1991/12/22م .. ووصل - إيران -
عام 1993م .
«أثناء فترة وجود الشهيد علي ناصر الشاوي (أبو دعاء) معي في
الزنزانة كنّا نتبادل الأحاديث فأخبرني بمواقف بطولية تخص زوجته
الشهيدة عواطف (أم دعاء) أحرص على ذكر موقفين منها مازالتا تختفظ
بهما الذاكرة ..
يقول الشهيد ؛ كانت زوجتي (أُم دعاء) تشاركني في أغلب النشاطات
الحزبية والمهمات الجهادية العسكرية .. وفي إحدى المرات وبينما
كنّا في مهمة خطرة كشفتنا إحدى مفارز أمن النظام وتمّت مطاردتنا
في شوارع بغداد الرئيسية واستمرت الملاحقة رُغم محاولات التضليل في
الشوارع والفروع الضيقة .. وبعد جولة طويلة في الأزقة السكنية تم
الافلات منهم .. في هذه الأثناء حدثت مفارقة غير متوقعة ، إذ وبسبب
السرعة اصطدمت سيارتنا بسياج أحد البيوت وأحدثت فيه أضراراً كبيرة
، فخرجت العائلة منزعجة مُحتجّة إلّا أنني هدّئت من روعهم وقلت لهم
«هذه زوجتي وسيارتي رهينة عندكم لحين جلب مَن يبني الجدار ويعيد كل
شيء» فوافقوا .. فأدخلت السيارة في الگراج وبقيت زوجتي عندهم ..
استغرق بناء وترتيب كل شيء ثلاث ساعات كانت (أُم دُعاء) خلالها قد
ألقت على أهل البيت محاضرة إسلامية صادقة هادفة بمحاور متعددة
وبأسلوبٍ شيّقٍ سهل - بعد أن لمست عدم إلتزام الوالدان والابناء
بالعبادات - وكانت النتيجة رائعة ، إذ اهتدى جميع أفراد العائلة
وعاهدوها على الالتزام بالصلاة والصيام وبالعبادات والواجبات
الأخرى ، بل ولم يسمحوا لنا بمغادرة البيت إلّا بعد تناول طعام
العشاء وبعد أن أعطتهم (أُم دُعاء) عهداً بزيارتهم بشكلٍ دوريٍّ
ليبرهنوا لها على مدى تأثُّرهم بأخلاقها وبحديثها ونصائحها ..
ودّعناهم وكأننا نعرف بعضنا منذ زمنٍ بعيد ، خرجنا والدهشة تملأ
وجهي لهذا التغيير المفاجىء الذي طرأ على هؤلاء الناس ، أما (أُم
دعاء) فكانت تتمتم وتقول : «شكراً لك يارب ، فُربَّ ضارة نافعة» .
أما
الموقف الثاني .. يقول الشهيد أبو دُعاء :
كنّا - أنا وأُم دُعاء - في مهمةٍ لنقل عدد كبير من المتفجرات -
القنابل اليدوية - الى مكانٍ ما في بغداد من خلال حقيبة يدوية
بلاستيكية متواضعة - زمبيل - وبينما كنّا نمشي راجلين وإذا بأحد
أزلام أمن النظام قد لمحني وعرفني ، فشهر سلاحه وأجبرنا على
الوقوف والاستسلام ولم تنفع معه كل أساليب الانكار والتضليل ،
وهمَّ بنقلنا لأقرب دائرة أمن ومن خلال باصٍ لمصلحة نقل الركاب
كان - كانت قد وزّعت صور الشهيد (أبو دُعاء) على أغلب دوائر أمن
النظام في بغداد بسبب كثافة نشاطه العسكري وكثرة الاعترفات من
زنازين التعذيب ضده .
صدفة قد وقف بقربنا . فلم يسعني إلّا أن دفعته بقوة الى داخل باص
المصلحة ، ولم يجمع قواه لمطاردتي إلّا وأنا قد اختفيت تماماً ،
فحاول اللحاق بأُم دُعاء التي بدورها هرولت صوب سيّارة تحمل رقم
(إدخال گمرگي مؤقت) يقودها رجل أجنبي وفيها باب متحرّك (سلايد)
فسحبته ورمت بنفسها داخل السيارة التي لم تزل تتحرك بسرعة ، وأقنعت
السائق - وباللغة الانجليزية التي كانت تتقنها بطلاقة - بمساعدتها
وبالتالي نقلها الى مكانٍ آمن .. فكانت فرحتي كبيرة حينما وجدت
(أُم دعاء) عند مدخل الزقاق آمنة تنتظرني بقلق» .
تقول
إحدى السجينات :
- الأخت الفاضلة السجينة نهلة هادي نجف .
«تزوجت عواطف من المجاهد علي ناصر .. عملت معهُ وأعطته كل جهدها
وحياتها ..
إعتُقلِت وكانت حامل لثلاثة أشهر ..
واعتقلوا في نفس الوقت بنت عمها (آمال الحمداني) وأبناء خالتها
«أركان وإحسان وقحطان وجنان) وهم من بيت (علاء الكاهچي) ، حيث
حكموا على (أركان علاء) بالإعدام وعلى الباقين بالسجن وبأحكام
مختلفة» .
تقول
سجينة أُخرى :
- أُم الشُهداء الحاجّة أُم رعد البصري .
«... وكانوا معنا أيضاً أُم الشهيدة عواطف وخالتها أُم الشهيد
أركان .. بقوا معنا عدّة أشهر ثم أُطلق سراحهم بلا محاكمة» .
وتضيف
سجينة ثالثة :
- الأُخت الفاضلة السجينة سميرة الشيخ فاضل الحيّاوي .
«كانت عواطف وزوجها ، يتنقلان من بيتٍ لآخر لأن رجال أمن السلطة
كانوا يطاردونهم ويبحثون عنهم .
كان لديهم خط كبير وقوي ومتفرّع - ضمن تنظيمات حزب الدعوة
الإسلامية ببغداد - فلمّا إعتقلوهما كان التعذيب قاسٍ جداً
وبمستوى نشاطهم».
مديرية الرعب والدم
تمّ نقلهما الى مديرية الأمن العامة ، وفُرِّق بينهما ، فأبعد
الزوج مخلِّفاً وراءه جنيناً في أحشاء زوجته .
وماهي الّا ساعة حتى استقرت (عواطف) في الشعبة الخامسة في مديرية
الأمن العامة ببغداد ، وهي شعبة مختصة باستئصال النشاط الإسلامي ..
كان الجلاد المشرف على تعذيبهما - هي وزوجها - المجرم الرائد
(عامر) معاون مدير الشعبة الخامسة وأحد مساعديه المدعو الملازم أول
(حازم) .
الجلاد عامر... الذئب
وقد يرغب القارىء الكريم أن يطّلع قليلاً على صفات هذا المخلوق
(الجلاّد عامر) الذي يمثل نمطاً من الرجال دنيئاً !
مجرم برتبة رائد يُكنّى بعدّة أسماء - للتعتيم مخافة الرصد - منها
(فيصل الهلالي) و (عادل) ، متوسط الطول ، ضعيف قليلاً ، ذو وجه
أصفر شاحب وشاربين كثيفين .. عمره في بداية سني الثمانيات قد تجاوز
الخامسة والثلاثين عاماً .. يُلقِّبه معاونوه ب' (الذيب) لانه حين
يغضب يصرخ بضحيته عاوياً كالذئب .. كان له نشاط اجرامي فاعل في
مديرية أمن البصرة ، ثم نُقل عام «1980م» الى مديرية أمن الكاظمية
ومن ثم الى مديرية الأمن العامة - الشعبة الخامسة .
جلاد مُتهتِّك أثيم يتميز بحقدٍ أصفر لئيم يحار المرء في معرفة
أسبابه .. يمتلك نفساً شريرة ، يمعن في التعذيب والتنكيل لما
يتأجّج في قلبه من براكين الحقد الأسود على المؤمنين .
وقد أطلق لشهوته العنان في تقتيل رجال العراق الصالحين ونسائه
المخدّرات المؤمنات ، بصورةٍ مريعةٍ متوحشة ...
تمثّلت وقاحته ودناءته على أبشع صورها في تعذيب النساء المجاهدات
عرايا وبأعصاب باردة!
تجدهُ يبدأ التحقيق وطرح الأسئلة بكل هدوء واحترام .. لكنك -
وبسهولة - تجد في عينيه حقداً متوقداً وناراً مستعرةً ..
هو جلّاد دموي حقود شديد البطش ، تمرّس الجريمة وقتل أهل الحق
إنتقاماً لنقائص في خُلقه وضميره .
دمويته تترفع عن مثلها الضوراي ووحوش الغاب ، فآثار الدماء في غرفة
التعذيب - التي جعل منها مقره الدائم - مشهد يومي مألوف .
كثيرٌ هم الذين فَجَعهم هذا اللعين ، فهو يعذِّب الضحية ولا يتركها
حتى تعترف أو تُزهق روحها!
كل ذلك ليجعل من رضا أسياده سبيلاً للمنفعة .. لانه لا غاية له
إلّا الرتوع في ملذات الدنيا .
ولما يتمتع به هذا الجلّاد من مواصفات ، وما قام به من أعمال
وانجازات فقد أهدى له سيّدهُ الطاغية (صدام) عام «1982م» سيارة
موديل حديث ونادر نوع (مازدا) حمراء اللون .
يساعده في التحقيق نقيب (عدنان) ونقيب (قاسم) وملازم أول (حازم) ،
حيث تقع غرفتهم قبال غرفة التعذيب التي يفصلها ممر عرضه (3) متراً
، أما المراتب الذين يساعدونه في تعذيب الضحية فهم كل من (نجاة) من
بغداد - وكان حاقداً قد آذى المؤمنين كثيراً - و(آصف) (السجّان
المتوحش) و(قيس) من الموصل و(طلال) من البصرة وثالث يُلقَّب ب (الگَدَع)
من بغداد و(كاظم) من بغداد .. وهؤلاء الأوغاد كان أغلبهم يتّصف
بطلعة جميلة وبمنطق لطيف ، ولو صادف أن رأيتهم في شوارع بغداد -
مثلاً - فسوف لن تميزهم عن الآخرين .. فليس شرطاً أن يكون الجلاد
أو المجرم ذا وجه بشع أو ذا سلوكٍ منحرفٍ واضح .
ينفرد الجلاد - رائد عامر - بخصيصة إجرامية يعرفها أغلب ضحاياه ،
وهي تعذيب المؤمنين والمؤمنات بأعصابٍ باردة ، ولكن حينما يغضب
يضرب ضحيته بالكرسي الحديدي الذي يجلس عليه وبشراسة حتى يقتل
ضحيته أو يجعلها تنزف دماً!
ففي أحد الأيام الأخيرة من شهر 1982/5م - وهي أيام ساخنة على
المعتقلين جرّاء الإنسحاب (التكتيكي) من مدينة المحمّرة ! على حدّ
تعبير البيانات العسكرية العراقية ! - جاءه المدعو (الگدع) مهرولاً
ليخبره أن إحدى الفتيات في غرفة النساء منعت الآخرين من التوقيع
على استمارات خاصة تتضمن إعترافات مزورة - غرفة كبيرة تقع بعد
الأنتهاء من السُلَّم المؤدي الى مَمَر الشعبة الخامسة - بداية
الممر - مخصّصة للنساء قيد التحقيق والتعذيب.
وحذّرتهن من الخديعة .. وصادف أن كان في تلك الأثناء أحد الضحايا
مازال - علي العراقي.
معلّقاً في سقف الغرفة قيد التعذيب .. فقال باللهجة العاميّة :
- سيدي ، وحدة بنيّة صرخت بالنساء وحذرتهن من التوقيع على
الأوراق! وگالت إلهن لاتوقعن ، هذه خدعة ..
بدأ الجلاد (عامر) يصرخ بالگَدَع آمراً له بجلب الفتاة .
- روح بسرعة جيبهه ..
وما هي إلّا دقيقة حتى جيء بفتاة في سن العشرين متلفّعة بعبائتها
تُجرُّ جرّاً قاسياً .. وما أن إستقرت أمام هذا الوحش المسمى
(عامر) حتى قام نحوها ، رافعاً كُرسيّه بكلتا يديه ، فضربها على
رأسها ، صارخاً بها :
- بنت ال ..... ، صايرة هنا بنت الهدى!
خرّت الفتاة على الأرض هامدةً !! ثمَّ أمر بسحلها الى خارج
الغرفة والدماء تخطُّ وراءها ..
ومع أن الشاهد كان في شبه غيبوبة - من أثر التعذيب - لكنه يعتقد أن
الفتاة قد فارقت الحياة !!
وفي ظهيرة أحد الأيام من صيف حزيران عام «1982م» ، حيث كان الشاهد
- نفس المصدر السابق .
مربوطاً - وقوفاً - عند باب غرفة التعذيب باتجاه الممر ، ينتظر
دوره .. جيء برجل طويل أسمر ، قد تجاوز الأربعين ، اسمه (علي عبد
عطيّة السوداني) من أهالي العمارة .
بدأ هذا المجرم - عامر - بالتحقيق معه وللمرة السادسة .. كان يعذبه
بكل مالديه من وحشية ولؤم .. حتى عجز تماماً عن أن ينتزع من البطل
كلمة واحدة .. فأمر بجلب والدته وكانت عجوزاً تم احضارها مسبقاً ..
بدأ المجرم يعذب المرأة العجوز أمام عيني ولدها المكبّل ، وكان
معلّقاً بالسقف عارياً إلّا من إباء الرجال وتحدّي الفرسان .. كانت
الأم تصرخ حتى أُغمي عليها من التعذيب فسحلوها الى الخارج ..
ولكن البطل مازال صامداً صابراً لم ينطق ولم يعترف ، وكان يزفر
بصوت عالٍ وأنين قاسٍ ..
ولكن الجلاد لم ييأس ، فأمر بجلب زوجته وكرّر معها ما فعله بالمرأة
العجوز ، وكان صراخ زوجته يتعالى ويملأ غُرف الممر .. لقد صمد
البطل (علي) ولم ينحن ، لكنه هذه المرّة صار يئن بصوتٍ كأنه -
وربِّي - زئير أسد .. كان الصراخ يتصاعد من زوجته التي صارت تردّد
كلمة (علي) بتوسل وتكرار حتى تلاشى صوتها وأغمي عليها ..
كان زئير الأسد يتصاعد . وكان الجلاد يصرخ كأنه ذئب يعوي .. فرفع
الكرسي وأهوى به على البطل الصامد وبكل ما يملك من قوة .. وراح
يضربه بقسوةٍ وفظاظة واصفاً إيّاه بعديم الشرف والمروءة ! لانه -
علي - فضّل استباحة حرمة والدته وزوجته دون أن يعترف !!
تلاشى زئير الأسد واختفى تماماً ..
ويضيف الشاهد :
أعتقد أن البطل قد فارق الحياة ! لأن الجلاد (عامر) صار يدور في
الغرفة يصرخ ويقول :
«مو حرامات هيچ رجال يخونون العراق !! جبناء ، مو حرامات» .
ولم يكن الشهيد (علي السوداني) البطل الأول ولا الأخير في قوائم
رجال العقيدة الذين كسروا كبرياء وجبروت هذا الجلّاد العاتي الذي
طالما تفاخر أمام رؤوسائه مغروراً بسطوته في انتزاع الأسرار من
صدور الابطال .. فقد نقل الشهيد (علي - كان من عادته يتغطرس
ويشترط على السجين أن يأتيه بخمسة أسماء تتوفر فيهم خمسة شروط هي
: (ان يكون الشخص الذي سيعترف عليه حيّاً يُرزق وان يكون داخل
العراق وليس هارباً مستقراً في إيران ، وان يكون معه بالتنظيم أو
بالعمل الجهادي ، وان لا يكون مسجوناً ومحكوم عليه بالاعدام وان لا
يكون من خصومه - لان كثير من المؤمنين قد اعترفوا على بعثيين
مخلصين) .
ناصر الشاوي) ان هذا المجرم أوغل في تعذيب أحد الابطال من مدينة
النجف - نقلاً عن رفيق زنزانته السجين (علي هليِّل الشمري) .
الاشرف واسمه (سعد رُجيب) الذي صرخ في وجهه ببسالة عجيبة : «اسمع
عامر ؛ أنا وكما تعلم عندي تنظيم ، وفي صدري أسرار مائة مجاهد ،
وأتحداك في امكانية انتزاع اسماً واحداً ...» فَقَدَ الجلّاد عامر
توازنه وجنَّ جنونه ، فاستخدم معه أبشع أنواع وأدوات التعذيب ،
فعجز فعلاً عن معرفة أسماً أو اعترافاً ، لذا أرسلَ لاعتقال عائلته
وعذّب أُمه ثم أُخته أمام عينه - وهو معلّق بالسقف - فلم يعترف !
فقام وأمسك رضيعاً من قدميه وصار يرطمه بجدار الغرفة ، غير ان
البطل صمد ولم يضعف .. وبقي هكذا حتى استشهد وفاضت روحه الطاهرة
فكان من الصادقين .
ويقول
أحد الأخوة السجناء :
- ثائر مظلوم.
«جيء بفتاة من القاعة الواقعة في نهاية ممر الشعبة الخامسة في
مديرية الأمن العامة ببغداد .. جاءوا بها ملفوفة بالبطانية الى
الجلاد (عامر) وكانت لا تقبل الإعتراف ..
ولمّا ضربها واقترب منها بصقت في وجهه ، فلطمها فسالت الدماء
منها!» .
ويضيف الشاهد قائلاً : «لم أرها بعد ذلك» .. معتقداً أنهم قتلوها
..
هذا هو المجرم الجلاد «عامر» .. هذا هو ذئب الشعبة الخامسة ..
وبهذا الاستعراض الخاطف والذي لا يمثل إلّا جزءً يسيراً من حقيقة
جلادي حزب البعث التكريتي ، نستطيع أن نثبت للعالم أيَّ شعبٍ نحن ،
وأيَّ مظلوميةٍ نُعاني ، وأيَّ مغولٍ نُقاتل !
صُمود .. ولكن !
قررت (عواطف) إخفاء حملها ، لانها تعرف أن الوسائل المستخدمة
لتعذيب (المتزوجة) ستكون أكثر تركيزاً على إذلال الروح من الجسد!
فبالرغم من التعذيب الوحشي الذي تَعرَّضت لهُ (عواطف) والذي شمل كل
مناطق الجسد ، شاء اللَّه أن يصمد الجنين الذي في أحشائها كما صمدت
هي !
ومع كُلِّ ذلك لم يكتفي الجلاوزة من أنْ تمتد أيديهم الأثيمة الى
جسدها الطاهر .. فمارسوا معها تعذيباً يخجل من ممارستهُ حتى وحوش
الغاب ، لقد رسموا على جسدها همجية حزب البعث العربي الاشتراكي !
من أجل أن تعترف .. بَيْدَ أنهم لم يحصلوا على شيءٍ مهم ، لأنها
كانت متيقنة من ذلك البلاء ولم تتفاجأ به ..
لقد عجزت كلُّ أساليبهم القذرة وآلاتهم المستوردة عن أنْ تُنطِق
مَنْ أصرّت على الصمت التام .. كانت تبتلع النطق ، فيثور الجلاد
ويدفع جسدها الضريبة سياطاً وصعقاً ..
إنه العهد الذي قطعته والقَسَم الذي أعطته .
الإختراق المُر والاعتراف !
بعد أن يئس الجلّاد (عامر) من تحطيم صمود عواطف ، أمر بإنزالها من
سقف غرفة التعذيب ، وأجلسها على كرسيٍّ أمامه .. قال لها بتجهمٍ
وعصبية :
- تقولين بريئة .. ومشتبهين! إذن لمن هذه الصورة ؟
وأجبرها على النظر الى صورةٍ كان يلوِّح بها في يده ..
وهنا كانت الكارثة ، إنها صورتها!
أغمضت عينيها بشدّة ثم نظرت الى الصورة من جديد ، لعلها تكون
خُدعة .. ولكن لا !! إنها صورتها ..
سحبت الصورة من يد الجلاد وتمعَّنَت فيها بدقة .. نعم إنها صورتها
وهي تحمل كيساً فيه بعض السلاح والعتاد تحاول إخفاءه في صندوق
سيارتهم ..
كانت (عواطف) تنظر الى الصورة وفؤادها يغور الى الأعماق .. لقد
اعتصرت الصورة روحها وطحنت قلبها ، ففاضت العيون - التي اتسعت
حدقتاها بذهول - بدموعٍ ساخنة .
عواطف تنظر الى الجلاد وهي حائرة حُبلى بالعجز .. لقد عقدت
الصدمة لسانها ..
هَمَستْ لاحدى سجينات الرشاد - فيما بعد - :
«عندما رأيت الصورة في يد المجرم عامر ، انعقد لساني وجفّ حلقي
وجمدت صرخة في حنجرتي».
كيف تَنكُر؟ والشاهد من أهل الدار !
لقد كان ذلك اليوم مُنعطفاً في آلامها التي حاولت أنْ تخفيها عن
الجلّاد .. بَيْدَ أنّها ومُنذ اليوم الذي رأت فيه الصورة راحت
تشعر بالألم يغزو قلبها وكيانها .. وطفقت كُلُّ خليّة من جسدها
المعذّب الدامي تئنُ صارخة .
غمغمت بكلماتٍ في شبه حشرجةٍ بعد أن خنقت العبرات بعض حروفها
وشاركت الشهقات البعض الآخر :
«مستحيل .. مستحيل .. كيف حصل هذا ! ومتى ؟» ..
كانت نظرات الجلّاد اللئيم (عامر) تغرس خناجر الشماتة والسخرية في
جسدها الممزّق .. جسدها الذي صار كالخرقة البالية ، خاوياً بلا
عزمٍ ولا إرادة .
عواطف تتأرجح بين انكسار الهزيمة ومرارة الصدمة .. حاولتْ الكلام ،
ولكن ماذا تقول ؟
فانفجر الكلام دموعاً ساخنة .. ثم جلست على الأرض ذليلة ، وألقت
برأسها على ركبتيها واعترفت بكلِّ ما يتعلق بها - فقط - حيثُ لم
يعد للصمت بعد من معنى ! .
ضريبة (حرق المراحل) !
خرجت (عواطف) من غرفة التعذيب خائبةً تتعثّر بأذيالها ، مَهيضة
الجناح ، منهارة القوى ، رُغم أنها كانت إحدى بطلات بغداد في تلك
المرحلة ، حيث كانت كتومةً في إنتمائها ، حذرةً في نشاطها ،
مجاهدةً كأفضل ما يكون الجهاد ، وها هي مذهولة تلفّها الدهشة
ويسودها العَجب العُجاب ..
كان الليل طويلاً على (عواطف) ، وكل لحظة من لحظاته كأنها شفرةٌ
حادة تُقطّع نياط قلبها .. كانت تبكي بدموعٍ صامتة .. لقد تزاحمت
صور الماضي في ذهنها وتلاحقت بلا انتظام .
إحدى
الأخوات في غرفة النساء تحاورها بهدوء :
- أُخيتي عواطف .. لا بأس عليك ولا تستغربي ، فالعمل الجهادي
كالشجرة المثقلة بالورد الأحمر ، ولابد أن يتساقط البعض ، وبأسبابٍ
شتى ..
لم يكن خطأكِ أختاه ، إنها ضريبة ما يسمى ب' (حرق المراحل)
وحسبُكِ عزاءً أن الذي أصابك بعين اللَّه ..
تُجيبها عواطف والدموع تتقافز كالمُزن :
- أُختاه ، أنا لستُ نادمة على ما فعلت ، بل أنا نادمة على كُلِّ
مالم أفعل .. وأُقسم باللَّه أن الشهادة أملي ، وكنتُ كلما عذبوني
كُلّما ازددتُ شوقاً لها .. وها هي تُعطِّر أنفي ، بيد أني أردتُ
أن يكون ثمن استشهادي باهظاً ..
أنا لم يهدّ قواي التعذيب .. فالتعذيب عشبٌ مر يمكنني التعوّد عليه
.. ولكن آه .. وألفُ آه ، هل الصورة تعني أن عملنا كان مخترقاً ولا
ندري ؟! هل كنّا نحرث في أرضٍ صخريّة ؟! هل كنّا نزرع أشجاراً
مخلوعة الجذور!؟ هل كنّا نزرع الوهم!؟ هل كنّا نحصد السراب ولا
ندري ؟! إلهي رُحماكَ ..
وهكذا بقيت (عواطف) طيلة ساعات الليل مستيقظة متأرّقة تتجافى في
مضجعها ، مرسلة عينيها في آفاق الغيب ، تدعو اللَّه ، لعل طائر
السهاد الذي أرّقها يهجرها .. فهي تحملق في الظلام سارحة في خيالها
، غائصة في أفكارها ..
كيف حصل هذا .. ومَنْ هو الخائن؟
كان شريط صور الأيام الخوالي يتقافز الى ذهنها بسرعةٍ فائقة
وعواطف تحاول الإمساك بكل المضامين ، علّها تعثر على أسباب
الاعتقال .. ولكن أنّى لها ذلك ، ف (مَن لم يعرف الموارد أعيَتْهُ
المصادر) .
حاولت (عواطف) أن تجد عبارةً ملائمةً لتصف ما تعانيه ، فلم تجد
أجدى من السكوت ..
وأخيراً صارت تردّد قول الشاعر بحرقةٍ وهي تشهق بدموعها :
يُحدِّثُ أخبار الفتى جليسه
رُبَّ امرىءٍ جاسوسهُ أنيسه
وكفى بذلك بياناً عن دور (الاختراق) في قصف الأعمار في حركتنا
الإسلامية !
تمر الساعات .. وما أن لمحت (عواطف) خيوط الفجر حتى اندفعت بلهفةٍ
الى لقاء الحبيب بعد ليلةٍ ما رقدت فيها أبداً .
وسرعان ما اندمجت مع ربها في صلاةٍ خاشعةٍ قانتةٍ :
«يارب المظلومين وربي ، ليس لي من الأمر إلّا ما قضيت .. إن لم يكن
بك عليَّ غضبٌ فلا أُبالي .. أنتَ ربي وأنيسي ، ما شئت كان وما لم
تشأ لم يكن .. فألهمني يارب الصبر والسلوان» ..
تحدثنا
احدى الأخوات السجينات قائلة :
- الأُخت السجينة نهلة هادي نجف .
«لا أعتقد أن أحداً من رجال الأمن قد صوّرها وهي تنقل الأسلحة ،
وإنما راقبوها وشاهدوها وهي تنقل الأسلحة بسيارة زوجها (الجيب) ،
فتركوها تكمل نقل الأسلحة لتذهب هي وزوجها لتوريدها - الى بيت
لأحد أصدقائه ، وكان معه في الخط العسكري ، بعدها قاموا بتطويق
البيت ومداهمته فاعتقلوهم جميعاً بما فيهم الرجل وزوجته وجميع
أطفاله» !
وتضيف
الأخت :
«لَئِن أنستني السنون العجاف فلن أنسى تلك الكلمات التي قالتها
(عواطف) بمرارة وألم : الشهادة أمنيتي ، ولكني أتأسَّف أن اعتقلوني
قبل أن أُقدِّم شيئاً كثيراً لديني» .
ويقول
رفيق زنزانته السجين علي هليّل الشمّري :
- السجين (علي هليّل الشمري) ؛ داعية قديم - خريج كلية الادارة
والاقتصاد في جامعة بغداد عام 1976م ، إعتقل يوم 1980/2/11م وخرج
بعد شهرٍ واحد ثم اعتُقل عام 1982م وحكم عليه بالسجن سبع سنوات
فخرج في العفو المشهور يوم 1986/5/17م .. إعتُقل مرةً ثالثة في
1992/11/5م وأُطلق سراحه في 1993/3/21م ، فهاجر الى إيران يوم
1994/3/21م ليستقر في (كندا) نهاية عام 2002م بعد أن حصل على
اللجوء السياسي الرسمي .. عاش مع الشهيد علي ناصر الحيّاوي عاماً
كاملاً في زنزانة رقم (3) من موقف الشعبة الخامسة في مديرية
(الأمن) العامة لعام 1982م .
«أثناء وجودي مع الشهيد علي ناصر الشاوي في زنزانة رقم (3) من موقف
الشعبة الخامسة . كان - يقع موقف الشعبة الخامسة في مديرية
(الأمن) العامة في طابق تحت الأرض يتكون من عشر زنازين ، وكل
زنزانة مساحتها (3*3)م2 ، وفيها (33 - 36) سجين سياسي .
دائماً يقول لي أنهُ قد تم اعتقاله وزوجته بمكيدة من أحد أقاربه !
إذ كانوا في بيتهم السرّي المؤجّر في احدى ضواحي مدينة الكاظمية
وصادف أن كان (نسيبه) عندهم ، وهو رجل بعيد عن الجهاد .
أما الذي اعترف عليه وكشف عن مقرّهِ السري فهو أحد أصدقائه
المقربين في التنظيم ، وأظنه موحان ، كان قد تم اعتقاله قبل يومين
من اعتقال الشاوي ودون علمه .. هذا ماكان يكررهُ علينا الشهيد (أبو
دُعاء) بمرارةٍ وألم» .
أما
السجين (أبو عقيل الفرطوسي) فله كلام آخر حيث قال :
«تعرّفت على الشهيد علي ناصر الشاوي في الزنزانة رقم (3) حينما جيء
به إلينا .. ففي إحدى الليالي أخبرني الشهيد عن طريقة القاء القبض
عليه واعتقاله ، وكان يُعبِّر عن ذلك بقوله ؛ وصلوا لي وأمسكوا بي
بمكيدةٍ من صديقٍ ! وكان يقول ؛ كنت وزجتي (أُم دُعاء) نسكن في
بيتٍ سرّيٍّ مؤجَّر فيه غرفة عمليات تحوي على أنواعٍ من الاسلحة
والمتفجرات وآلة طابعة وأرقام سيارات وهويات مزورة وكل ما نحتاجه
ويحتاجه العمل والعاملون .. وشاءت الصدفة أن يتم اعتقال أحد إخوة
التنظيم المقرّبين لي قبل يومين من اعتقالي ودون علمي ، ولضعفه
وعدم مقاومته اعترف على كل شيء .. في هذين اليومين كنت منشغلاً
جداً ولم أتفقد غيابه ولم يصلني خبر اعتقاله سيّما وأني لم أتوقع
أن يتم الاعتراف بهذه السرعة !
كشف عن مقر اختفائي لأزلام أمن النظام فجيء به الى المنزل بعد أن
تم تطويق المنطقة بقوات مكثّفة .. طرق الباب وأقنعني بالذهاب الى
أمرٍ هام ، فطلب منّي قيادة السيارة فيما يقوم هو بدفعها - بسبب
ضعف البطارية .
كانت الخطة في اعتقالي أن يتم استدراجي خارج المنزل لمعرفتهم
بامتلاكي أسلحة ، وشاءت الصدفة أن أخرج تلك المرة بلا سلاح !! فما
أن دخلت السيارة حتى أحاط بي أزلام الأمن من كل صوب ، وكانوا في
نهايتي الزقاق - شاهرين أسلحتهم بوجهي .. قيّدوني ثم اعتقلوا (أُم
دُعاء) وقيّدوها ، وأطلقوا أهازيج وهوسات عند باب المنزل تعبيراً
عن حقدهم وفرحتهم باعتقالنا وبالسيطرة على مذخر الاسلحة الذي في
بيتنا بعد طول مطاردة .. عصّبوا عيوننا وجاءوا بنا الى الشعبة
الخامسة في مديرية الأمن العامة» .
بعد الإعتراف ، توقف التعذيب .. وبعد أسابيعٍ تم إرسالها الى
الطابق السفلي حيث القاعة الكبيرة (الموقف) ولكن ملف التحقيق الخاص
بها بقي مفتوحاً عاماً كاملاً ، فالقضية بقيت على ذمّة التحقيق
طيلة تلك الفترة علّهم يعثرون على اعترافٍ جديد !
الموقف .. ألمٌ ما فوقَهُ ألم !
نزلت (عواطف) الى الموقف .. وقد سبقتها العشرات من نساء العراق
الصالحات ، مقرنات بالأصفاد .. بعضهن ينتظرن السجن وبعضهن الآخر
ينتظرن الإعدام لم يأتينا الهُدهُد بأنبائِهن .
لقد عانت الأمرّين .. فهي مرةً تعاني آلام الحمل ، حيث لا أهل ولا
زوج ، ومرةً تشتبك عليها الهموم وهي ترى بعض الأخوات وقد جيء
بهنَّ جرّاء إعترافات زوجها ! لان انهيار (علي ناصر) كان يتسلسل
وبلا أدنى تطويق !!
كُنَّ ملوّعات أسىً وحزناً بسبب إعترافاته ، فلم يتركن لهُ في
نفوسهنَّ متسعاً ، لذا كانت (عواطف) تقاسي ألماً ما فوقه أ لم ،
لكنها لا تبوح به إلّا لخالقها تشكوهُ بثها وحُزنها في الليل
البهيم : «إلهي .. أنت المدعوُّ للمهمات ، وأنت المفزَع في
الملمّات ، لا يندفعُ منها إلّا ما دفعت ، ولا ينكشف منها إلّا ما
كشفت ، وقد نزل بي ياربِّ ما قد تكأَدَني ثقلُهُ ، وألمّ بي ما قد
بهظني حمله ... فقد ضقت لِما نزلَ بي ياربِّ ذرعاً ، وامتلأتُ بحمل
ما حَدّث عليَّ همّاً ، وأنت القادر على كشف ما مُنيتُ به ، ودفعِ
ما وقعتُ فيه ، فافعل بي ذلك وإن لم أستوجبهُ منكَ ، ياذا العرش
العظيم» .
تقول
الحاجّة (أم الشهداء) :
- السجينة المجاهدة أُم رعد البصري .
«كانت الشهيدة (عواطف) معنا في الموقف .. كان عددنا قد تجاوز
السبعين إمرأة .. كانت تتألم كثيراً بسبب إعترافات زوجها (علي
ناصر) .. فهي لم تتألم لأنه إعترف عليها أو على بنت عمّها (أُم .
أ) ، لكن أشد ما كان يُؤلمها هو اعترافه على بعض الفتيات الموظفات
اللاتي كنَّ يقدمن - طالبة في قسم الهندسة الكيمياوية - جامعة
بغداد .
مساعدات ماليه من خلاله لعدد من عوائل الشهداء والمعتقلين ..
كنَّ يقلن : نحن ليس لدينا أي نشاط سياسي ، كنّا فقط نعطيه مساعدات
ماليّه لأجل الفقراء والمحتاجين .
كانت (عواطف) تتمزق ألماً ومرارةً عندما ترى رجال (الأمن) وقد
جاءوا ببعض تلك الفتيات .
كانت تقول بحرقة وألم شديدين : «لا ياعلي ، لا .. ماهكذا الظنُّ بك
.. ماكنت أنتظر منك أن تنهار بهذه السرعة !».
وتحدّثنا احدى السجينات قائلة :
- الأُخت الفاضلة نهلة هادي نجف .
«(الشهيد (علي ناصر) شاب متدين ومجاهد ، قام بتكوين مجموعة جهادية
مخلصة .. عمل للإسلام وقدّم الكثير .. كان عمله جهادياً مسلحاً .
لكنه وبعد اعتقاله تعرض لتعذيب وحشي على يد الجلاد (عامر)
وجلاوزته فأنهار واعترف على مجموعته وعلى كثير من المؤمنين ومن
ضمنهم زوجته عواطف !» .
ويحدثنا
رفيق زنزانته فيقول :
- الشهيد علي هليّل الشمري .
«الشهيد علي ناصر الشاوي مسؤول خط عسكري نوعي في بغداد وله اتصالات
فرعية ببعض المحافظات .. قام بعدَّة عمليات عسكرية ناجحة كشف لنا
عن بعضها إجمالاً لاتفصيلاً ، كان دقيق الخبرة قوي التجربة يمتلك
نظرة ثاقبة لتشخيص خفايا الشخص الذي يتعامل معه .. تم اعتقاله
وزوجته (عواطف) بمكيدة غريبة تعاون بها أحد أقاربه ، فتم تعذيبه
بوحشية وانتقام باعتبار أن قضيته من القضايا الكبرى التي فيها
سلاح وخلايا عسكرية فضلاً عن التنظيم .. إلّا أنه أبدى صموداً
عالياً جداً ، لكن الجلاد (عامر) لم يتركهُ ليستعيد قواه أو يرتّب
أفكاره ، وبقي يمزّقه لأسابيع عديدة ولم يترك وسيلة من وسائله
البشعة إلّا وجرّبها على البطل (علي ناصر) حتى أوصله الى نقطة
الانهيار ، فاعترف وكان اعترافه خطيراً مُدمِّراً !!
كادت يداه أن تكونا مشلولتين لبشاعة ما لاقى من تعذيبٍ طول فترة
تعليقه بالسقف ، وبقي أسابيع حتى استعاد حركته وعافيته .. وكان
المجرم الجلّاد (عامر) يأمر بأخذه في سيارة مغلقة الى عدّة
مديريات أمن في بغداد والمحافظات ليُمرّره على عدد من المؤمنين
المعتقلين ..
كان الشهيد (علي ناصر) رساليّاً مُربياً ، لقد قام والله بدورٍ
كبيرٍ في توعية السجناء الذين كانوا معنا في زنزانة رقم (3) ، كان
يشد من عزائمهم ويقوّي إرادتهم .. كان شجاعاً بكل معنى الكلمة
ومثقفاً - للشهيد الشاوي موقف بطولي رائع ، حيث زارت (دار السلامة
الوطنية) ، وهي لجنة متكونة من جهاز الأمن وجهاز المخابرات وممثل
من القصر الجمهوري تشرف على حصر الموافقة لحالات الاعدام لترفعها
الى رئيس النظام للتوقيع عليها لاجل التنفيذ زارت زنزانات موقف
(الأمن) العامة ، فتصدّى لهم الشهيد علي ناصر زاجراً لهم وقائلاً
: «أي قانون هذا الذي يجيز لكم أن تبقونا هكذا منذ تسعة أشهر ونحن
بلا محاكمة ؟! ثم أين حقوق السجين ؟! بل لماذا لاتعدموننا
وتخلصوننا من هذه الظروف السيئة التي لاتتوفر حتى في سجون أسوء
حكومات العالم .
فردّ عليه أحدهم بغضب : «هذا الوضع جيد لكم لانكم يجب أن تُحرق
ويُذَرى ترابكم خارج الوطن كي لايتنجس العراق !!» .
عالي الفكر وشفّافاً حلو المزاج لذا اعتقد أزلام (الأمن) بأمكان
الاستفادة منه فنُقِل الى غرف - مرّة تحاور الشهيد الشاوي مع
الشهيد المهندس (عبدالكريم الصبّاغ) الذي كان معنا في الزنزانة ..
تناولا المفاهيم والمعاني العميقة لكتابي (فلسفتنا واقتصادنا)
للشهيد السيد الصدر .. لقد أظهر الطرفان ثقافة عالية جداً رُغم
كثرة اختلافاتهم ..
- كان معنا في الزنزانة سجين طيب القلب اسمه (جبر) من أهالي
الناصرية فكان الشهيد الشاوي يمازحه ليُلطّف نفوسنا المكتئبة ..
كان يقول له : جبر ، عليك ابروح الشهيد الصدر ادعو لنا الله فأنت
طيب القلب وسيستجيب الله دُعاءك . فكان السجين جبر يرفع يديه
بأخلاص وبعفوية ويدعو قائلاً : «إلهي .. الله يخلِّيك ما تخلّصنا
من هذا المجرم صدام» فيبدأ الجميع بالضحك وتناسي الهموم ولو الى
حين .
(المساعي الحميدة) السيئة الصيت ، إلّا أنهم أرجعوه الى الزنزانة
بعد أن وجدوه غير نافع بل - غرفة تقع في آخر ممر الشعبة الخامسة
في مديرية الأمن العامة ، يقبع فيها الخونة الذين فشلوا في
الاختبار الذين سوّلت لهم أنفسهم بيع دينهم وجهادهم بثمن بخس
فتعاونوا مع الجلاد ضد أخوة الأمس القريب .
- يقول السجين علي هاشم : «اعتقلوني وعذّبوني بوحشية وأُصبتُ اصابة
خطيرة في إحدى كليتيَّ .. وبعد انتهاء الجولة الأولى من التعذيب
رموا بي في مايسمى بغرفة (المساعي الحميدة) ليمارسوا معي عملية
غسل الدماغ لأقناعي بالاعتراف وعدم الجدوى من الانكار !
رأيت في الغرفة الشهيد (علي ناصر) وكان مكبَّل اليدين ،إقترب منّي
بعد أن خرج الحارس ، وهمس لي ؛ إيّاك إيّاك أن تضعف أو تعترف ،
واعلم ان الله معنا والناس معنا وأن الإمام الحجة (عج) معنا
ومُطَّلع على مواقفنا ، وانقل هذه الوصية لبقية الأخوة الجُدُد
وإوصهم بالصبر والاحتساب .. اما أنا، فإن كنت قد اعترفتُ فلانهم -
الامن - وجدوا في بيتي أسلحة وقنابل وأشياء أخرى كثيرة لا أستطيع
انكارها» .
ويحاور أولئك المتخاذلين لأقناعهم على عدم التعاون مع المحققين
لخداع المؤمنين على الاعتراف وكشف الأسرار ، أمثال كُلٍّ من ؛ سيد
حاتم هاشم مولى الهاشمي (أبو عَدي) الذي تم إعدامه لاحقاً - ظهر
هذا الذليل المدعو (حاتم الهاشمي) في مقابلة ذليلة بتلفزيون بغداد
، اعترف خلالها على كل شيء .. أما في قاعة محكمة (الثورة)
العسكرية فقد كان يتوسل بالمجرم القاضي ، الذي فاجأه بحكم الاعدام
ويقول : «سيدي اعفو عنّي ، إحكموني ولكن لاتعدموني ، فأنا قد
تعاونت معكم بكل امكانياتي .. إسألوا السيد الرائد عامر إن لم
تصدّقوني !!» .
وكان جواب القاضي : «صحيح حاتم صحيح .. لكن الأمر ليس كُلّهُ بيدي
، لقد قررت السلامة الوطنية اعدامك».
وعندما رجع هذا الخائن ، الذي باع آخرته بدنيا غيره - من المحكمة
الى الزنزانة رقم (2) حاول وقبل أخذه الى (أبو غريب) لأعدامه
إلتماس براءة الذمة والمسامحة من الأخوة المؤمنين الذين كانوا معه
في زنزانته ، إلّا ان احداً لم يحقق له ما أراد ، تعبيراً عن غضبهم
واحتجاجاً على جرائمه بحق أخوة الأمس القريب ..
الجدير ذكره ان محكمة (الثورة) قد أعدمت الكثير من الخونة
المتعاونين مع جلّادي الأمن أمثال الداعية (شيخ راضي گعيِّد
التميمي) الذي قصم ظهر خطوط وخلايا الدُعاة رجالاً ونساءً ، في
مدينة الثورة وبغداد وعدد من المحافظات ، والداعية المهندس (عبدالحسن
فرَج) من البصرة الجمهورية الذي اعتُقل عام 1981م وأُعدم عام 1982م
، والداعية طالب جامعة السليمانية (مهدي ابراهيم بندر) من أهالي
ديالى والذي أعتُقل عام 1981م وأُعدم عام 1982م ، وسيد چاسب من
أهالي العمارة - حي السلام - الذي أعتُقل عام 1980م ، وقد أُجريت
معه مقابلة تلفزيونية اعترف خلالها على كل شيء وتعاون فيما بعد ،
ومن خلال غرفة المساعي الحميدة بالعامّة ، لاقناع المؤمنين على
الاعتراف والخيانة .
رغم توسلاته وتذكيره لهم بخدماته ! وابن عمّه سيد طاهر مطر الهاشمي
والمهندس موحان (أبو إيمان) الذي نفّذوا فيه حكم الاعدام بالرغم من
كل اعترافاته الواسعة الخطيرة وتعاونه ! وسيد هادي الشوكي الذي
تمادى في غيّه وصار يُهدّد المؤمنين بالجلّاد عامر !
- رغم تاريخه الديني والجهادي المُشرِّف فقد انهار المدعو (موحان)
بالتعذيب واعترف على مائة وخمسون مجاهداً تم تنفيذ الاعدام
بالكثير منهم ! وكان موحان وقبل اعتقاله يُصرِّح لأخوانه الدُعاة -
مسؤولين وقواعد الذين يجتمعون في بيته ويلتقون عنده أغلب الأوقات :
«إعلموا انني إذا اعتُقلت فسوف أعترف على كل شيء لاني أعرف نفسي
وسوف لن أصمد بالتعذيب» وبالفعل كان يضع على رأسه ووجهه (يشماغ
أبيض) ويصعد مع أزلام أمن المديرية العامة ويُدلي على عناوين
وبيوت المجاهدين والعاملين الدُعاة ! وتكررت هذه الخيانة يومياً
وعلى مدى أسابيع .
والجدير ذكره هنا نقل الحوار الذي دار بين موحان ورائد عامر والذي
رواه الشهيد علي ناصر :
موحان : لماذا تعتقلون الناس الابرياء ؟! هؤلاء أغلبهم ليسوا دُعاة
!
رائد عامر : شَبَكتنا تصطاد السمكة والجرّي وأبو الجنّيب ، إلّا
اننا بالنتيجة نصطاد السمكة .
موحان : لماذا تفعلون ذلك وأنتم تعرفون ان هؤلاء ضحايا أبرياء ؟!
رائد عامر : ألستم أنتم الدُعاة تقولون إن صدام يقتل الحركة
الإسلامية حتى في مرحلة (النوايا) كما فعل برجنسكي مع شعبه ..
فَلِم الاستغراب !
- ارجع الى ملحق الفصل «جنود بلعم بن باعورا» !
إلّا أن ذلك لا يمنعنا عن نقل حقيقة ما كان يجري من اعترافات
وانهيارات في داخل الزنازين وفي المحاكم للحفاظ على تجارب السنين
ودماء المجاهدين ، فعندما صعد الشهيد (علي ناصر) الى محكمة
(الثورة) العسكرية في المراجعة الأولى يوم 1982/9/30م برئاسة
القاضي المجرم مسلم الجبوري كان عدد من الضحايا قد صعدوا معه في
قضيته نتيجة اعترافاته ، وحُكم عليهم بالاعدام .. فمثلاً حينما
دخلنإ؛؟ !ح قفص المحكمة كنت معصوب العينين أمشي خلف (علي ناصر)
وشخص آخر ، ومازلت أذكر كيف تصدّت فتاة بطلة تسمى (عالية علي) ،
كانت قد استقرت في القفص ، لأحدهم وقالت له : «ها جبان - الشهيدة
السعيدة (عالية علي النجفي) أخت كل من الشهداء (حسن وحسين وعباس)
.. راجع الجزء الثاني من كتابنا (مذكرات سجينة) .
.. إعترفت !!» ..
كذلك أتذكّر أنهُ كان معنا في الزنزانة رقم (3) الشهيد عبدالرضا
يوسف الربيعي ، وهو في قضية - الشهيد عبدالرضا يوسف الربيعي : من
سكنة بغداد (الكرادة) ، طالب في جامعة بغداد ، كلية العلوم - قسم
الكيمياء .
الشهيد علي ناصر الشاوي ومن خطه العسكري .. كان منزعجاً منهُ وقد
امتنع عن الكلام معهُ حتى في لحظات الإعدام الأخيرة لانهُ كان
يعتقد بأمكانية الشهيد (الشاوي) تجاوز قسوة التعذيب والصبر على
عدم الإعتراف على كل هذا العدد من المؤمنين والمؤمنات !!
وهكذا بقيت (عواطف) تعاني الأمرّين طيلة تسعةِ أشهر متوالية ،
قضتها في موقف مديرية (الأمن) العامة .
مخاض في زنزانات التعذيب
كابدت شهيدتنا خلال تلك الفترة المرّة التي قضتها في مديرية الرعب
العامة ظروفاً قاسية ، حيث آلام الحمل وأثقاله وآلام التعذيب
ووحشيته .
كانت تعاني الامرّين؛ مخاضات الطلق ولسعات السياط ، هكذا وبهذه
الظروف ولدت (دعاء) !
بقيت (دُعاء) أشهراً قليلة في دهاليز مديرية أمن النظام .. كانت
إشراقتها أكثر جمالاً من بزوغ الشمس .. كان ثغرها مبتسماً كأنها
تريد أن تُنبيء بأن المستقبل للإسلام .
إنها بُرعم الحرية الذي اخضرَّ على أجساد الشهداء ، فترعرعَ ونما
ليغدو شجرة وارفة الظل مُزهرة مُثمرة .. أوليس «بقية السيف أكثر
عدداً وأنمى ولداً» .
-
وتكملُ السجينةُ نهلة حديثها فتقول :
«عندما حان وقت الولادة ، كنّا مع عواطف في الموقف .. وافقوا على
إرسالها الى مستوصف قريب ، بقيت يوماً واحداً فقط - مقدار الولادة
- ثم جاءوا بها الى الموقف ثانية !
كانت حالتها سيّئة للغاية ، حيث لا عناية أو إهتمام .. بيد أن
المؤمنات في الموقف إعتنين بالأم ووليدها .. تم توفير الأقمشة
والملابس من بعض المؤمنات اللاتي إرتدين ملابس إضافية تحسباً
للظروف ..
سبحان اللَّه عاشت الطفلة وتحسنت صحتها رغم كل تلك الظروف العصيبة
!» .
الفطام القهري
نُقلت (عواطف) الى قاعة محكمة الثورة مع زوجها وعدد من الفتيات
والشباب الذين حكم على عدد منهم بالاعدام .. أما عواطف وزوجها فقد
ارتأى المجرم مسلم الجبوري تأجيل قرار الاعدام الى ما بعد
ولادتها كي لا تشملها المرحمة باعتبار ان التعليمات تقضي بمساعدة
المرأة الحامل وتخفيض حكمها الى المؤبد ! سيّما أن (عواطف) كانت
شامخة فخورة ولم تطلب الرأفة والمرحمة .. لذا أُخذوا بعد عدّة أشهر
الى المحكمة مرّةً أُخرى ليُصْدِر الحاكم العسكري المجرم اللّواء
(عوّاد محمد أمين البندر) حكماً بالإعدام شنقاً حسب المادة (156 -
أ) لانتمائها الى حزب الدعوة الإسلامية وحيازة ونقل وتوزيع أسلحة
..
وتم نقلها مباشرةً الى سجن (الرشاد / القسم السياسي الثالث )
بانتظار تنفيذ الحكم الجائر في مقاصل (أبو غريب) .
يقول
رفيق زنزانته :
- السجين (أبو عابدة الشمري) .
«أخذوا الشهيدين علي ناصر الشاوي وعواطف الحمداني يوم 1982/9/30م
الى المحكمة للمرافعة الأولى برئاسة المجرم مسلم الجبوري .. وقد
صعد معهم الى المحكمة عدد كبير من المؤمنين والمؤمنات ، من خلايا
التنظيم ومن المتعاونين ، فحُكم على بعضهم بالاعدام وعلى البعض
الآخر بأحكام مختلفة .. كذلك صعد معهم عدد آخر من المجاهدين
المتهمين بقضايا أخرى وحُكم على أغلبهم بالاعدام شنقاً .
- كقضية (جماعة الطاقة) المشهورة ، حيث تم الحكم عليهم ، وهم سبعة
مهندسين يعملون في الطاقة الذرية العراقية ، بالاعدام شنقاً ، وكان
منهم الشهيد السعيد المهندس (ليث حسين) أخ الشهيد النقيب غالب حسين
، والشهيد السعيد (عبدالكريم الصبّاغ) - ماجستير هندسة - وقد توفى
هذا البطل في الزنزانة رقم (3) بعد أن ضربوه بوحشية على كليته
فصار يتقيأ مادة (صفراء) ، تمدّد في طرف الزنزانة وبقي يُسبّح لله
حتى نزعات الموت الأخيرة ، والشهيد السعيد (كُثَير حميد) - خريج
هندسة كيمياء ، جامعة بغداد عام 1977م فاعتقل عام 1981م واستُشهد
عام 1983م ، وقد ساعد هذا الشهيد على إيجاد لغة (المورس)
المتداولة بين السجناء لتحديد أوقات الصلاة والطعام والاعياد
والمناسبات وماشابه ذلك .
بعد أكثر من شهر تم نقل الشهيدين للمحكمة للمرافعة الثانية وهي
الأخيرة ، برئاسة المجرم اللواء عوّاد البندر والتي طلب فيها
الشهيد الشاوي رؤية ابنته (دُعاء) ، كان منكسراً حائراً .. أيعتذر
لزوجته ورفيقة دربه أم يحتضن طفلته الرضيعة يقبّلها ويملأ روحه
منها ، سيّما أن الفرصة المتاحة ثوان معدودة .. كان مشهداً
مروِّعاً يصعب وصفه . بادرت الشهيدة أُم دُعاء بتسليمه طفلته
ملفوفةً بقماطها وأشارت لهُ بوجود شيءٍ ما بين طيّات القماط ..
صار يلثم طفلته بطريقة مؤلمة فرضت حالةً من - دسّت الشهيدة البطلة
(أُم دُعاء) في طيّات القماط ؛ قرآناً صغيراً وعشرة دنانير ، كانت
قد حصلت عليها من أُمها وأقربائها الذين اعتقلوهم ووضعوهم في
الموقف النسوي ، وهذه ال (عشرة دنانير) كانت بالنسبة لنا مغنماً
كبيراً إذ اشترينا بها ملحاً وبعض الحاجات الضرورية .
السكون على القاعة .. اقتربت منهُ زوجته البطلة وقالت : (صدقني
علي ، أيام وليالي هي أمامي وفي حضني أُرضعها لكني كنت أحاول عدم
التأمُّل فيها أو النظر اليها كي لا اتعلّق بها!) ثم همست في
أُذنه: (علي .. أرجوك لاتضعف أوتخاطب القاضي بكلمة (سيدي) ولا تطلب
المرحمة ! فالأمر منتهٍ ونحن - كانت كلمة (سيدي) مألوفة متداولة
لدى العديد من السجناء السياسيين وغير السياسيين ، فهي لا تُستخدم
عند مخاطبة (القاضي) فحسب ، بل حتى في مخاطبة مأمور السجن أو
الشرطي الواقف في باب قاعة المحكمة .
أكيد إعدام وسنُحسَب عند الله شُهداء) .
ماهي إلّا دقائق حتى أصدر المجرم البندر حكمه على الزوجين
بالاعدام شنقاً بلا أدنى تردّد أو إكتراث لصراخ الطفلة الرضعية !!
جيء بالشهيد علي الشاوي صابراً شامخاً قد جلب معه الى رفاق
زنزانته طعاماً كان قد اشتراه له هو - كان الشهيد (أبو دُعاء) جميل
الصفات أثير النفس مع إخوانه ورفاق زنزانته ، فقد جلب معه طعاماً
وهو عبارة عن ثلاث قطع من (الكباب) ، فقام بتقسيم كل قطعة الى
إحدى عشر جزء لتكفي للثلاثة والثلاثين مجاهداً الذين كانوا في
الزنزانة رقم (3) .
وزوجته أحد الحرّاس الذين رافقهم كمأمور من المديرية العامة الى
المحكمة وبالعكس .. أوصانا - المأمور الشرطي (طارق السنّي) الذي
تألم عندما سمع بحكم الاعدام الجائر بحق (علي ناصر) وقال : «حرامات
يموت هكذا بطل».. كان عطوفاً بعكس الشرطي (طارق الشيعي) الذي كان
حقوداً وقاسٍ جداً .
الشهيد بعدَّة وصايا ، أهمها تلك التي تتعلّق بابنته (دُعاء) حيث
قال : (على مَن يدرك ابنتي دُعاء يوصيها بالسير على خط أهل
البيت7 والثأر لدمائنا) .
كان الشهيد أبو دُعاء ، كما هي الشهيدة زوجته - سعيداً بحكم
الاعدام ، فلم نره قد حزن أو تألم بل وقبل أن يذهبوا به صباح اليوم
التالي الى (أبو غريب) ودّعنا وشدَّ من أزرنا واحداً تلو الآخر».
تقول
احدى السجينات المؤمنات :
- الأخت المجاهدة إيمان البصري .
«عندما جيء بالشهيدة عواطف من المحكمة الى سجن الرشاد ، أخبرتنا
بأنَّ الحاكم العسكري مسلم الجبوري قال لهما ، هي وزوجها - بعد أن
حكم عليهما بالإعدام : قد نحتاج الى مشنقة صغيرة لهذه الطفلة ،
لأنها رضعت من حليبكم الحاقد !» .
وتحدّثنا سجينة أُخرى قائلة :
- الأُخت المجاهدة أحلام البصري .
«إعتقلوا عواطف وزوجها وهما في سيارتهما ، كانت حاملاً ثلاثة أشهر
.. تحملت أنواع التعذيب لكنها لم تعترف .. وعندما جاءوا بها الى
(الموقف) حان وقت ولادتها .. وبعد شهرين من ولادة (دُعاء) أخذوهما
- هي وزوجها - للمحاكمة ، وفي المحكمة (الصوريّة) قال لهما المجرم
مسلم الجبوري؛ بعد أن نعدمكم سنحتاج الى مشنقة صغيرة لابنتكم
لانها رضعت حليبكم الحاقد» .
وما أن وصلت «عواطف» الى سجن الرشاد حتى قررت تسليم طفلتها
الرضيعة الى أهلها من خلال المواجهة غير المباشرة وبواسطة إحدى
الرقيبات ، رغم ان التعليمات الرسمية تسمح بابقاء الرضيع عند أمه
أشهر الرضاعة الأولى .
غداً يالهُ من غد .. غداً يوم المواجهة ، غداً تفارق «عواطف»
إبنتها فراقاً أبدياً لا لقاء بعده ، اللهم إلّا هناك في جنان
المظلومين ..
في تلك الليلة لم ترقد عينا «عواطف» ، لقد بلغ بها الحزن والأسى
مبلغاً سحيقاً .. فهي لم تبعدها عن حضنها للحظة ، لقد هامت بها
ولهاً ، فهي مرّةً تحتويها بذراعيها بحنوٍّ ورقّة ، وأخرى تضمها
الى صدرها في عطفٍ جارف .. كانت تضع شفتيها الذابلتين على وجه
إبنتها الصغيرة وهي نائمة وتطيل البكاء المكتوم لكي لاتوقظها ..
أدبر الليل وأسفر الصبح ، وأدمُع «عواطف» ساجمة لم تتوقف .. القلم
واللسان عاجزان عن وصف ذلك المشهد المروّع - مشهد التوديع - كانت
تقبّلها في كل أجزاء جسدها الصغير .. في وجهها ، في يديها ، بين
أصابع قدميها ، كانت تطيل البكاء عليها .
سَرَتْ المرارة الى كل الضمائر الحرّة الماكثة في القسم ، لم
تتجرّأ حتى الرقيبة في أخذ الطفلة من حضن أمها .. كان المشهد
مؤلماً مرهقاً على الجميع .
همست
إحدى الأخوات :
«ساعد اللَّه قلبكَ سيدي أبا الأحرار وأنت تودِّع «عبداللَّه
الرضيع» مذبوحاً ! ساعد اللَّه قلبكِ مولاتي «الرباب» وأنتِ تودعين
رضيعكِ عطشاناً !» .
أيقظت تلك الكلمات «عواطف» من سكرتها ، لانّهُ (قد يكون اليأس
إدراكاً ، إذا كان الطمعُ هلاكاً) ..
حينذاك فقط إنتبهت .. ثم وافقت على تسليم صغيرتها الى الرقيبة) .
وتقسم شاهدةٌ ثالثة كانت هي الأُخرى في السجن تَرقَب المشهد -
السجينة (...) .
الرهيب ، قائلة :
«واللَّه واللَّه كانت الطفلة تبكي متشبّثة بأمها ، كأنها لا تريد
فراقها !
أرادت الأم أن تصرخ ، فشنقت صوتها ، لقد كتمت رغبةً جارفة في
الصراخ كانت تلحُّ عليها ، كتمتها لتَخمد في وادي الصمت السحيق» ..
هكذا أبعدت (عواطف) رضيعتها عنها .. سلّمتها وانتزعت يديها
الصغيرتين من على صدرها ..
نعم ، لقد فطمتها قهراً وقبل أن يتم (حولا الرضاعة) .. سلّمتها
والدموع السخينة تغزو كل خلايا قلبها المهدم الذي صار ينزفُ دماً
.. ودّعتها وهي تشهق بدموعها قائلةً : (دعاء .. حبيبتي ، أستودعك
اللَّه الذي لايخون الودائع) .
أخذت الرقيبة الطفلة الى خارج القسم ، وبقيت نظرات الأم مصلوبة
صوب رضيعتهإ؛آ 'َّ حتى اختفت وراء الباب الكبير .
أشاحت (عواطف) بوجهها عن المشهد المريع .. كان صبراً عزّ له نظير .
ولكن ياتُرى ، لماذا فعلت (عواطف) ذلك ، وهي الحنونة الرقيقة ؟!
الجواب نأخذه من لسانها :
(لكي لا أتعلّق بها كثيراً ، فأنشغل بها في ظرفٍ أريد أن أستثمر به
كل وقتي وكل ما تبقى من عمري القصير في الصلاة والدعاء وقراءة
القرآن ، لأنَّ (مَن اشتغلَ بغير المهم ضيّع الأهم) .. هذا أولاً
وثانياً :
أريد أن أطمئن عليها قبل ذهابي الى (أبو غريب) كي لا أُقتل مرتين!
ثم انّني لا أُريد أن يستخدمها العدو ضدي كورقةٍ رابحةٍ قبل إعدامي
!
فقررتُ إبعادها عنّي كي لاتعيقني عن نيل الشهادة) .
وتدلي
سجينة أُخرى بدلوها لتحدّثنا عن تسليم عواطف لابنتها وحالها بعد
ذلك ، قائلة :
- الأخت المجاهدة السجينة نهلة هادي نجف .
«كنت مع عواطف في سجن الرشاد .. كانت رحمة اللَّه عليها تنتظر
الشهادة بفارغ الصبر ، فهي أمنيتها .. أرادت أن تُبعد (دعاء) عنها
لتتفرغ الى العبادة ، وكذلك كانت قلقة على مستقبلها ، فهي تريد
أن تطمئن عليها قبل أن تودّع الدنيا .
وبالرغم من أن أهلها موجودون بل وأن بنت خالتها كانت معنا في سجن
الرشاد وهي (حنان علاء الكاهچي) أخت الشهيد (أركان علاء الكاهچي)
.. لكنني تقدمت لتبنّي الطفلة «دعاء» سيما وأنني كنت محكومة (7)
سنوات فقط ، وسأخرج باذن اللَّه ، وكانت (عواطف) تتمنى ذلك لانها
تعرف جيداً الأجواء الدينية المتوفرة في عائلتي ..
إتفقنا - أنا وعواطف - على ذلك ، وأرسلتُ على أهلي للمجيء
لاستلام (دعاء) .. لكنني اكتشفت أن أهلي قد تم تسفيرهم - بعد
إعتقالي - الى ايران بحجة أنهم من التبعية الإيرانية !
بعد ذاك أرسلت (عواطف) على أهلها (أُمها) وطلبت أن يأتي أحد
لاستلام إبنتها ، وقد تم ذلك فعلاً .
لقد تفرغت عواطف طيلة الأربعة أشهر التي قضتها في سجن (الرشاد)
للعبادة .. انشغلت مع اللَّه تصلي وتصوم وتستغفر .. فهي ليست معنا
، بل كانت في عالم الملكوت ..
لقد أفرغت قلبها من كل شيء إلّا اللّه ، كنّا إذا وضعنا الطعام
أمامها تأكل وإلّا فهي لا تسأل عن الطعام أبداً ..
ولم نحظَ بها إلّا نادراً وفي فترة العذر الشرعي فقط» .
وشاهدةٌ
أُخرى سجينة تقول :
- الأُخت المجاهدة السجينة سميرة الشيخ فاضل الحيّاوي .
«كانت (عواطف) وطيلة الفترة التي قضتها في سجن الرشاد ، كل همّها
أن تقضي ما بذمتها من صلاة وصوم - إن وجد - وقد أرسلت إبنتها
(دعاء) الى أهلها .. وكانت تقول : «كي لا أتعلق بها كثيراً
وتشغلني عن التفرغ للعبادة والاستغفار» ..
وفعلاً جاء بيت عمّها لمواجهة ابنتهم «أُم . أ الحمداني» فأرسلتها
من خلالهم الى أهلها لأمها .. كان مشهد التوديع مؤثِّراً» .
توديع تويجات الزنابق
في الفترة التي تخللت صدور حكم الإعدام وتنفيذه ، تفرغت (عواطف)
للقاء اللَّه عزّ وجل بعد أن أفرغت قلبها من الدنيا وزخرفها ..
كانت أوقاتها - وكما ذكرنا - حافلة بالعبادة ، لم تحظَ الأخوات من
رحيق حديثها ومجالستها إلّا في فترة (الرخصة الشرعية) التي كانت
خلالها تتلاطف مع الأخوات ، وأحياناً تقرأ بعض الكتب التي كانت
تدخل الى القسم سرّاً ، مثل موسوعة (تفسير الميزان) وكتاب (خطوات
على طريق الإسلام) .
ومن الطرائف التي كانت تقوم بها (عواطف) حينذاك والتى احتفظت بها
ذاكرة أغلب الأخوات هي السُخرية والتحرّش بالرقيبات ، حيث كانت
تذكرهنَّ دائماً بسوء عاقبتهن وبما ينتظر أعوان الظلمة من مصير
بائس ..
كانت (عواطف) في غاية التواضع والطيبة والشفافية ، فهي تميل الى
المزاح وحب الآخرين حتى في أواخر أيامها في سجن الرشاد ..
تمازحت معها إحدى الأخوات الشهيدات ذات مرّة :
- الشهيدة السعيدة أمل الربيعي .
- عواطف .. الجماعة ب (أبو غريب) يحتاج لهم حبلين حتى يتمكنوا من
شنقچ !
عواطف ضاحكة :
- وأنتِ يرّاد لچ حبل من مَسَد .
- لا ، بالعكس .. آني خيط يكفي لرگبتي ، لكن أنتِ ما شاء اللَّه .
وانتهى المزاح بهرولة عواطف نحوها وبيدها كأس ماء كادَتْ ترشّهُ
عليها لولا اختفائها وراء الأخت الشهيدة فاطمة .
* * *
وفي صباحٍ يومٍ شتوّيٍ كئيب من نهاية عام «1982م» تم نقل الشهيدات
الثلاث الى سجن (أبو غريب) حيث تنتظرهن السيارة الخاصة التي برفقة
الجلّاد ذي الشاربين الكثيفين المسمى (أبو سمير) ..
تم ذلك بعد أن اغتسلن غُسل الشهادة ، ولبِسنَ الاكفان وقرأن سورة
(يس) وأتممن زيارة عاشوراء ..
وإنْ أنسَ لا أنسى ذلك اليوم العصيب الذي عانقت فيه (عواطف) جميع
الأخوات المظلومات في القسم بحرارة متّقدة .. لقد اختلطت حبّات
المطر بدموع المودعين ، وتجاوب أنين الريح مع زفرات المفارقين ، ثم
تم التوديع ضمن مراسم خاصة رائعة وكأنهنَّ في حفلة عُرس حيث
الصلوات كانت تتعالى من كُلِّ جانبٍ وصوب .
بغداد .. لِمَ هذا التثاؤب ؟!
إنطلقت السيارة (الصندوق) تتوغل في شوارع بغداد بأتجاه سجن (ابو
غريب) المركزي ، كانت الريح تصفر في سمفونية حزينة .. وكانت حبّات
المطر ترشق زجاج النافذة الصغيرة للصندوق الذي استقرت بداخله
الزينبيات الثلاث .
لايوجد في الصندوق سوى هذه النافذة الحديدية اليتيمة التي قطرها
(20) سم والتي تتخللها القضبان الأفقية المتينة .. فهي الفُسحة
الوحيدة في هذا الكون الواسع والتي تطلُّ على الوطن ، حيث بغداد
مازالت نائمة في حُضن غيمة سوداء !
إذن هذه هي بغداد ثانية ! سرح الذهن بعيداً في أعماق الماضي وغرق
في حنين الذكريات ، وتزاحمت صورٌ كثيرة وبلا انتظام .. فتقافزت
الدموع على المآقي وبدأ نشيج البكاء المر ، لأنه لاشيء يعالج
الحزن كالذكريات .. وأي ذكريات !
لقد غادر الدمع عيونها صوب تلك الأمسيات ، للقباب الشاهقات ، لنخيل
العراق الباسقات ، للخلّان والأهل ، لوجه أمها ، لعيني دعاء ..
ابنتها .
بغداد .. كيف أنتِ الآن ؟ أما انتهى أنين الثكالى! أين الصويحبات
يابغداد؟ أيتزاورن أم توسدنَ الثرى! بغداد ، لقد أَفِلتْ الذكريات
الجميلة على عجل كأنها أطياف سحر !
بغداد يا مهد الصبا ، يا ذكريات الأزقّة الآمنة ، يا سوح الجهاد ..
صرتِ بعيدةً عنّي رُغم اقترابكِ من النبض . ماذا أخبركِ .. لقد
أذاقونا من المرارة كل أصنافها ومن العذاب كل ألوانه ، وأريقت
الدماء بأهون ما تراق المياه ، لا لذنبٍ إلّا لاننا شهدنا أن لا
إله إلّا اللَّه : (وما نقموا منهم إلّا أن يؤمنوا باللّه العزيز
الحميد) .
مازال وجها (عواطف وأمل) ملتصقين بالنافذة يتسارقان النظر الى
شوارع بغداد والى وجوه الناس ..
عواطف تنادي على (فاطمة) تستعجلها مشاركتهن ورؤية الوطن .. أنهُ
الوداع :
- فاطمة .. تعالي وانظري ، فهذه بغداد .. تعالي ودّعي بغداد!
ابتسمت (فاطمة) بحنو شديد وبمداراة .. لكنها رجعت الى إطراقتها
وكأن الأمر لا يعنيها .. كانت أكُفُّها مبسوطة الى السماء وأعينها
تفيض بالدمع تشكر اللَّه على نعمة الشهادة ، فهي أمنيتها التي ما
بعدها أمنية .
عادت (عواطف) الى بغداد ، تحدّق فيها .. حزنٌ مطبق يرصف شوارعها ،
ووجوه صابرة محتسبة تسير بصمتٍ ويأس .. بغداد تعجُّ بالضوضاء
وبالأناشيد الوثنية والأغاني الرخيصة التي أفرط بها مرتزقة الفن
العربي ، فالكل يغنّي للطاغوت ولقادسيته المشؤومة ..
كان مذياع السيارة ينعق - وبأعلى صوته - بالإنتصارات العسكرية
المزيفة وبالأغاني الوثنية .. أعوام طويلة والناس لاتسمع غير هذا
النوع المقيت من الفن الهستيري .
كانت الشوارع ملتوية ممتلئة بالصخور والكمائن! وكأن بغداد هي
المسؤولة عن - مفارز تفتيش.
جرائم الدنيا! حيث ذئاب البعث منتشرة في كلِّ شبر من بغداد الحزينة
! في الشوارع .. في الطرقات .. في الأسواق ، وهي تنهش لحمها بشهيةٍ
ووحشية .
نعم ، هكذا كانت بغداد المسكينة ، فهي مافتئت تعيش الزمن الثقيل
الراكد ، بغداد ثكلى حزينة لانهم اغتصبوها وأجبروها أن تتزين في
يوم موتها .. لقد أكرهوها أن ترقص بأبتذال للقادسية ولبطل البوابة
الشرقية!
لكن (عواطف) لن تتسامح مع بغداد .. لقد حاورتها وعاتبتها بمرارة !
بَيْدَ أنهُ حوار من طرف واحد ، حيث بغداد صامتة لاتُجيب .. وأنّى
لها أن تُجيب وقد أخرستها الآلام ! بغداد .. إستيقظي حبيبتي ،
مابكِ مطفئة الأنوار ، هاهي الساعة التاسعة صباحاً ، فَلِمَ هذا
التثاؤب ؟!
بغداد .. أمازالتِ في نومٍ عميق ، أما زالت عيناكِ مُخضَّلتين
بالدموع؟ لِمَ كل هذا الحزن واليأس الذي قد عمَّ وجهكِ!؟ ما هذه
السُحُب السوداء التي تحجبُ عنك الشمس ؟ منظركِ يجعلني وكأني ما
ألفتُ عشرتكِ ساعة من الزمن !!
أما زلتِ غافية ياحبيبتاه ؟ عودي الى رشدك بغداد وانتصبي ..
اُطردي الكسل ، فليس هذا وقت بُكاء ، فلابد للشمس أن تعود ولابد
للسحابة أن ترحل ..
كفى صمتاً يابغداد .. قومي وأطردي الغرباء) .
بدأ صُراخ (عواطف) يتصاعد وعادت الدموع تتساقط .. ولكن لم يجبها
سوى عويل الريح ..
نهضت (فاطمة) وأحتضنتها ، ثم همست في أُذنها برقةٍ وحنو :
- حبيبتي عواطف ، إهدئي .. إتركي العتب! أماترين بغداد مفجوعة وقد
أسكرتها الآلام .. إحتسبي أُختاه وتعزّي بعزاء اللَّه ..
ايه بغداد أيّ وحش كئيب
ملأ الدار يتّماً وحزانى
ايه بغداد - لا عدمتك - قولي
أيّ خطب دها فزاد اسانا
«أسود الناب» لا يفرق طفلا
أو فتاة .. أو عاجزا تعبانا
ياكبار النفوس .. صبراً جميلا
فالاضاحي تزيدكم ايمانا
* * *
إقتربت السيارة من صحراء (أبو غريب) .. إنها نهاية الرحلة ..
حينذاك فقط نظرت (عواطف) نحو جهة (الشرق) - حيث الأمل المنشود -
وقالت بحرقةٍ وألم :
- وأنتَ أيها الأفق الشرقي .. أما زلتَ مُلَبَّداً بالغيوم! لقد
سئمنا الإنتظار .. مالكَ - المعارضة العراقية الإسلامية التي جعلت
من إيران مقراً لها.
راكدٌ .. مَنْ لبغداد الأسيرة ؟! إنها تحتضر! نعم تحتضر .
استقرّت السيارة في إحدى الساحات الموحشة للسجن الكبير ، وترجّلت
(عواطف) مع أخواتها الى حيث أمروهُنَّ .. وصارت تُتَمتم وبهدوء
تام :
(أنا لم أترككِ بغداد ، لكنه الوداع الاجباري .. بغداد أيتها
الحبيبة
المفجوعة ، لا أخالكِ ستذوقين للشمس طعماً مادمتِ لم تستيقظي !!) .
الغروب البشع
أخذوهنَّ - فاطمة ، عواطف ، أمل - الى بناية خاصة في قاطع الأعدام
(قسم الأحكام الثقيلة) .. مرّت ساعات النهار طويلة قاسية ، طويلة
كصبر أُمهاتنا ، قاسية كملامح الجلّاد ..
تآكل نور الشمس وزحف الغروب ، حينذاك اقتادوهنَّ الى غرفة الاعدام
حيث المشنقة والكرسي الكهربائي ..
كانوا يأخذون المحكومين بالاعدام صباحاً ، بيد أن التنفيذ يتم
مساءً .. كان المجرمون يسخرون من المجاهدين بقولهم : «اللَّه يقول
بالقرآن إن الأرواح تصعد الى السماء عند وقت الغروب ، ونحن نفعل
هذا لأجلكم» !!
كان يفصل بين غرفة إعدام النساء وبين القاعة الكبيرة التي يتم فيها
إعدام الرجال ، نافذة صغيرة (شبّاك زجاجي) ،
وكانت القاعة قد امتلأت بأروع إضمامة عطرة من الرجال الصالحين حيث
تجاوز عددهم ال (150) مجاهداً ..
وكان في الربع الأخير من القاعة قد تأرجحت عشرة حبال غليظة عتيدة ،
ومع كل حبل يتدلّى سلكان كهربائيان يوضعان على الأوداج لتكون
عملية إزهاق الروح سريعة وأكيدة .
مهرجان الإعدام الجماعي
لقد أعدَّ الطغاة مقاصلهم للانتقام من رجال العراق الصالحين ..
كانت الوجوه رغم شحوبها مستبشرة تطفح بالسرور لقرب الرحلة الى
الملكوت الأعلى حيث الأحبّة والجنان والحياة الحقيقية الخالدة ..
كانت الشمس قد سقطت في الافق هاربة خجلى وقد احمر لونها مؤذنة
بمساءٍ حافل بالموت الأحمر .. كانت وجبات الإعدام تتلاحق ، والرجال
يودّع بعضهم الآخر .. هذه هي الحرية التي رفع شعارها حزب البعث
العفلقي كإحدى أهدافه !
لقد أتت الذئاب فافترست الضحايا ، وبأقل من ساعة جعلوهم ذبائح
مطروحة على الأرض كألأضاحي ..
تباً لك أيها البعث .. أيها الدمار .
كل فصول هذا المساء البشع ، كانت على مرآى ومسمع من الشهيدة
عواطف ، فراحت تبتَلعُ ريقها الجاف ، وتتحسَّس رأسها بكفّيها كأنها
تريد أن تتأكد ، هل هذا الذي تراه كابوساً أم حقيقة ؟!
قارئي العزيز ، لم أقصد أن أقتل وقتك على مذبح الكلام ، لكنك
تؤيدني أن ما روته الشهيدة «عواطف» لنا ، كان فرصة نادرة ، جاد بها
القدر ، نقلنا لك فيها فصلاً دامياً مازال يتكرر مرتين في الأسبوع
على شعبنا المظلوم !
أنين الصحارى
تم نقل الجثث المكدسة الى مكان قريب ، لينقلوها سرّاً بعيداً عن
صراخ الأمهات ودموع الأخوات .. كانت عيونهم أشبه بالقبر وهم
ينقلونهم سراً ، وكان القبر حزن أمة .. القلوب التي كا نت قبل حين
تلهج بذكر اللَّه صارت أجساداً تنصت للصمت ، لقد ارتحلوا .. نعم
ارتحلوا لانهم لا يصلحون لهذا الزمن ! كم من الجثث قد وارتها
المقابر الجماعية السرّية - في صحرائنا القاحلة - وهي تئن لكثرة
ماشربت من دماءٍ طاهرة .
عواطف ملتصقة بزجاج النافذة ، تنظر الى الأجساد وهم يجرّونها
سحلاً أمام أعينها واحداً تلو الآخر .. وفجأة انتبهت الى جسد مرّ
أمامها ، إنه زوجها الحبيب .. لقد سحلوه على بعد أمتار من أمامها
، ولا تفصلها عنه سوى هذه النافذة اللعينة .. ها هو زوجها وقدوتها
، زوجها الذي سكب فيها روحاً من روحه .. فراحت تلوِّحُ - بلا شعور
- بيدها الرقيقة المرتجفة صوب الجسد عله ينتبه ويراها!
ولكن أنّى له هذا والروح قد أزهقها الجلاد .
دقائق للندبة
لقد حرصت الشهيدة عواطف - بعد رجوعها - أنْ تنقل المشهد بكامله
بأمانةٍ ودقّة ، لئلا يُدفَن مع مئات بل آلاف المشاهد الدامية التي
لم يشهدها إلّا الجلاوزة الجلّادون ، ولهذا مافتئت تقصُّ على
السجينات فصول قصّة المشهد الرهيب ، فتقول :
(بعد إعدام العلوية فاطمة أنزلوها من حبل المشنقة ، وجعلوها مسجاة
على أرض الغرفة .. أما نحن - عواطف وأمل - لقد أخرجونا الى حيث
القاعة الكبيرة التي باتت فارغة تماماً لنكون بانتظار السيارة
الخاصة بإرجاعنا الى سجن الرشاد بعد أن صدر أمر تأجيل إعدامنا -
ولأسباب غامضة - وكانت دقائق الانتظار فرصة سانحة لي لأعزي نفسي
ولأندب زوجي) ..
نعم لقد تهاوت (عواطف) الى الأرض نادبة باكية ، واحتضنت ذلك
المكان الذي رأت فيه جسد زوجها .. وطفقت تزرع القبلات على الآثار
التي تركها ذلك الجسد الطاهر على الأرض .. ثمَّ انفجرت بالبكاء
وقد لثمت كل بقعة مرّ بها الجسد وراحت تندب زوجها حتى تقرّحت
عيناها ، لقد ركعت على تلك الآثار وغسلتها بالدموع .. يعجز اللسان
عن توضيح ما كانت تعانيه هذه المرأة الصابرة المحتسبة .
الرشاد .. الفرحة بعد صلاة الوحشة !
كانت الأخوات في سجن الرشاد ، يصلين صلاة الوحشة على أرواح
الشهيدات الثلاثة .. كان التناغم شجياً يفوق كل موسيقى البشر
عذوبة وجمالاً .. فمنهن في الصلاة والدعاء ، ومنهن يقرأن القرآن
وزيارة وارث بصوت عالٍ .
الجميع في نشاط هذه الليلة ، إنها تراتيل بلابل المساء ، ذات
الأجنحة الصغيرة ، والأرواح الكبيرة .. وإذا بهن يسمعن صوت إحدى
الرقيبات وهي تصرخ - الرقيبة (سميرة بنت أبو نعمان، من سكنة
الكرادة، لها أخوان يعملون - سجانين - في سجن أبو غريب) .
في القسم بفرح : (البنات رجعن من أبو غريب ، البنات رجعن!) .
لقد خامر الأخوات فسحة من أمل ولمحة من رجاء ، فتركت كل واحدة منهن
(وِردها) الذي كانت عليه ، وركضن باتجاه صوت الرقيبة ، وقد أشرقت
وجوههن فرحاً .. إنَّ اللسان ليعجز عن وصف الفرحة التي امتلكت
الأخوات حين اكتحلت عيونهنَّ برؤية (عواطف وأمل) .. ولكن ماتزال
العيون ترصد الباب الكبير .. إذن أين فاطمة!؟
تحدّثنا
إحدى الأخوات السجينات عن لسان الشهيدة عواطف ذاتها :
- الأُخت السجينة أحلام البصري .
«بعد أن أعدموا «150» مؤمناً ، سحبوا الجثث أمام عينيها وكان ضمنها
جثة زوجها الشهيد علي ناصر .
بعدها قالوا للبنات :
- لقد تم تأجيل إعدامكم الى وقت آخر ..
أعادوهم الى سجن الرشاد مرةً أخرى بحجة أنهُ لابد من فحصهم أو
كلام من هذا القبيل ! أو لعلّ السبب الحقيقي أن الوقت المخصّص
للاعدام قد نفد أو لأنهم قد تعبوا بسبب كثرة العدد !
رجعت البنات ليلاً ، كانت معنويات عواطف عالية جداً ، حيث قالت لنا
:
لقد إزددتُ قوة وإيماناً بالشهادة عندما رأيت الشباب بكامل عزمهم
وهم يُعدَمون ، كانت أشكالهم بعد الاعدام تبقى كما هي لم تتغير
وكأنهم نائمون» ..
وأضافت :
«لقد رأيتُ زوجي (أبو دعاء) وهو شهيد ، ففرحت كثيراً ، وأنا الآن
أنتظر وقت الاعدام بفارغ الصبر لألحق به» .
سجينة
أُخرى تُحدِّثنا عن حوارها مع الشهيدة عواطف عند رجوعها :
- الأُخت المجاهدة (ف . .... البصري) .
«أخذوا البنات صباحاً الى «سجن ابو غريب» . وكان وقت تنفيذ
الإعدام بعد غروب الشمس !
ولكن سبحان اللَّه لقد حصل ما لم يكن بالحسبان ، حيث عادت (عواطف)
- ومعها أمل - الساعة التاسعة مساءً من نفس اليوم .. لقد فتحوا
لهنَّ باب السجن ..
دخلت (عواطف) القسم وكانت متعبة جداً ، لكنها رغم كل ذلك كانت
تردّد تلك العبارة : «بنات هنئوني ، لقد رأيت إستشهاد أبو دُعاء» .
بعدها أجلسوها لتروي لنا كل ما رأت في «أبو غريب» فقالت :
أدخلونا في غرفة بجوار قاعةٍ كبيرة بداخلها ما يقارب ال (150)
شاباً مؤمناً يرتدون الثياب البيضاء ..
بقينا من الصباح حتى المساء بلا ماء ولا طعام ننتظر الإعدام ..
وكذا كان الشباب .. وعندما حان وقت صلاة الظهر قام جميع مَنْ في
القاعة للصلاة جماعةً ، كانوا ما بين مسبِّحٍ وداعٍ ومصلٍ وقارىءٍ
للقرآن .. سمعت أحدهم يقول بصوت عالٍ : «لقد قتلنا العطش ، فمتى
تقوموا باعدامنا؟» فأجابه آخر : «اصبر ، فوراءك شربةً لا تظمأ
بعدها أبداً» .
كنتُ أنظر لروحيّة هؤلاء الشباب وأنا غافلة عن الاعدام الذي
ينتظرني .. كانوا ينتظرون لحظة الاعدام بلهفة كالصائم ينتظر لحظة
الافطار ، أو كالذي ينتظر شخصاً عزيزاً عليه .
وعندما حان وقت الغروب بدأت عمليات تنفيذ حكم الاعدام .. كان
الجلاوزة يرتدون ملابس سوداء ووجوههم مخيفة مرعبة .
وشيئاً فشيئاً أخذت القاعة تهدأ حتى فرغت تماماً ..
كانوا يشنقونهم بحبلٍ كهربائي ، وكان الاعدام يتم خلال لحظات» !
المؤتمر الصحفي
عادت عواطف - ومعها أمل - الى سجن الرشاد ليلاً .. كانت متعبة
جداً ، فكأنها جثّة حيّة تنتظر الموت .. بيد أنها كانت سعيدة
مبتسمة! لا لأنها مازالت تنعم بالحياة ، فذلك كان مصدر حزنها
وآلامها ، بل لأنها تيقنت أن زوجها قد نال شرف الشهادة ..
نعم ، لقد رأته - وعن قرب - وهم يسحلونه أمام عينيها بعد أن نفّذوا
به حكمهم الجائر ، فاطمئنت على عاقبته!
بعد أيام اقترحت إحدى الأخوات السجينات عقد مؤتمر صحفي رمزي مع
كُلٌّ من عواطف وأمل ، وكان السؤال الأهم ؛ ماهو شعوركنَّ وأنتنَّ
تَنعَمان بالحياة ، مع احتمال الغاء حكم الإعدام وتبديله الى
المادة «257» سجن مؤبد ؟
كان جواب الشهيدة «أمل» هو أنها تشعر بالإرتياح حيث التزوّد بالعمل
الصالح وبما ينفع في الآخرة ..
أما الشهيدة «عواطف» فكان شعورها يختلف ، كانت حزينة لان الشهادة
كانت - ومازالت - أُمنيتها .. سيّما وأن الخوف من الموت قد مات في
قلبها منذ أمدٍ بعيد .. ولم تتمالك نفسها - وهي تحدثها عن مشاعرها
- فأجهشت بالبكاء المُرِّ ، وهي تقول :
أثناء إسترسالها في الحديث ، كانت عواطف تجهش في بكاءٍ مُرٍّ حزين
:
«أين الموت الذي كان ينصب شراكهُ حوالي؟ أين الذئاب التي كشّرت عن
أنيابها تريد تذوّق لحمي؟!
ها أنا بالانتظار .. فما عاد الموت يشغلني أبداً .. وكم أنا مشتاقة
الى اللحاق بزوجي (أبو دُعاء) .
كانت تهمس للبنات مستغربة : شعرتُ براحةٍ عجيبة وباطمئنانٍ نفسيٍّ
لايتناسب مع وحشة المكان ! ما سر هذهِ السكينة التي نزلت على قلبي
؟!
ألِأنَّ «فاطمة» كانت بقربي ؟» .
تُحدِّثنا إحدى السجينات عن بعض فقرات ذلك (اللقاء الصحفي) قائلة
:
- السجينة نهلة هادي نجف .
«لقد أجابت عواطف وأمل على أسئلة عديدة .. ولعل السؤال الأهم كان
عن المشاعر فيما لو تمَّ تنفيذ حكم الاعدام أو إلغائه ..
فكان جواب أمل : بصراحة .. خفتُ من الموت .
أما عواطف فأجابت : لم أخف من الموت أبداً ، فالشهادة أُمنيتي .
شابّة في مقتبل العمر - 21 سنة - وعندها وليدة .. رجعت حزينة
متألمة لانه قد تمَّ تأجيل إعدامها !
كان موقفاً كبيراً ، لن أنساه أبداً» .
زفاف حوريّتين
دامت فترةُ بقائهنَّ (أمل وعواطف) في السجن بعد عودتهنَّ من ساحة
الاعدام عشرين يوماً ، وما إن حلَّ اليوم الواحد والعشرين حتى جاء
الجلّادون لأخذهما مرّة أُخرى الى سجن (أبو غريب) لتنفيذ حكم
الإعدام الجائر .. وقبل الخروج من القسم قامت الأخوات بتحضير الكفن
والزعفران - من جديد - لهنَّ بعد أن غسلنَ غسل الشهادة وقرأنَ بعضِ
الآيات والزيارات والأدعية .. وهكذا زَفَّ سجنُ الرشاد - مرّة
أُخرى - حوريتين الى جنة الزهراء .
تقول
احدى الأخوات :
- الأُخت السجينة إيمان البصري .
«بقيت عواطف عشرين يوماً كانت روحيتها - خلالها - عالية جداً ، لم
تفارقها الابتسامة أبداً ، وكانت دائماً توصي الأخوات بالثبات على
العهد .. وما زالت بعض كلماتها ترنُّ بمسامعي :
«إن هذا الخط هو خط الحسين7 ولابد من الاصرار والاستمرار في
المسير» .
بعدها أخذوها الى غير رجعة .. لقد نفّذوا فيها حكم الإعدام الجائر
، وتم تسليم جثتها لأهلها بعد أن أخبرتهم بنت عمّها (السجينة آمال
الحمداني) بذلك في يوم المواجهة» .
تجارب الكيمياء !
نقلاً عن جميع الذين اشتركوا في دفن الشهيدة (عواطف) انهم قالوا :
كان جسدها مطعوناً باللون الأسود .. أثر سريان (السم) وكانت ساقاها
ويداها تتهرآن عند أي محاولة لحملها ، وكان شعر رأسها يتساقط
بكثافة .. إنه ليس (الثاليوم) أو (السيانيد) ولا (الزرنيخ) إنما هو
مواد الأعصاب المسرطنة ، والمحظورة دولياً ، - بدأ انتاج المواد
السامة للأغراض العسكرية في بداية السبعينات تحت اسم مؤسسة (ابن
الهيثم) شرق بغداد ، والتي تطورت في سني الحرب المفروضة على إيران
الى منشأة لأنتاج السلاح الكيمياوي في العراق تسمى (منشأة
المثنى) التي تبعد (40) كم عن مدينة سامراء ، ومساحتها (25) كم2
، ومُحاطة ب (160) كم2 من الأراضي التي لاتسمح لأحد بالاقتراب
منها .. قامت هذه المنشأة بأنتاج جميع الغازات والمواد الكيمياوية
المُسرطنة والمحظورة مثل غاز التابون وغاز السارين ومسحوق ال (B.Z)
.
يتم الحصول على نماذج منها من الدول التي ترفع شعارات التحضّر
والحرية وحقوق الإنسان! وبالتالي وبعد جملة إختبارات كيمياوية
مختبرية على (الفئران البيضاء) - الدول الأساس التي صدّرت هذه
المواد - المحضورة دولياً - الى منشأة المثنى في العراق هي:
ألمانيا الغربية وأميركا ثم بريطانيا وفرنسا ، فقد اتهمت صحيفة
Sunday Times Newspaper في عددها الصادر في 1991/8/4م الحكومة
البريطانية بأعطاء تصريحات اذن جمركية لنقل (8600) كيلوغرام من
اليورانيوم والمواد المشعة الأخرى الى العراق وعلى شكل ثلاث
وجبات كبيرة خلال سني الحرب مع إيران .. كما صدر كتاب في المانيا
الغربية : Leyendecker and .H . Gottingen 1990 ,steidl Verlag
,Exporteure Des Todes ,Exporteure Des Todes ,R.Rickelmann ذكر
فيه أن أربعين شركة أوربية متورطة بتزويد العراق بالمواد
الكيمياوية وبالأجهزة المصنِّعة للأسلحة الكيمياوية وبكلفة (80)
مليون دولار للفترة من عام 1980م الى عام 1989م .. والجدير ذكرهُ
أن رئيس فريق خبراء التفتيش التابع للأمم المتحدة (جيمس ناب) قد
أكد عام 1992م عن تدمير (20) الف قنبلة وصاروخ ورؤوس حربيّة قادرة
على حمل ذخائر غازات كيمياوية سامة !!
المخصصة لهكذا تجارب ، يتم إنتاجها ريادياً لتستخدم بشكل مكثّف في
الحرب البعثية المفروضة على دولة الإسلام الفتيّة أو على ثوار
أهوار الجنوب ومناطق الشمال !! إنها أسلحة كيمياوية فتاكة ، وهي
أجيال متطورة عشرات المرات عن جيل (غاز الخردل) ، حيث تم استخدامها
مختبرياً - كتجارب - على مئات المؤمنين المحكومين بالاعدام في سجن
(أبو غريب) في قسم الاحكام الخاصة المغلقة - القافات - خلال سنيّ
الحرب الأخيرة !
تقول
إحدى السجينات :
- الأُخت المجاهدة نهلة هادي نجف .
«إستخدموا أبراً كيمياوية مع عواطف قبل إعدامها .. سيّما أنهم
كانوا يمنعون إجراء أي فحص طبي على الشهيدة فأكتفوا بأعطاء أهلها
«ورقة دفن» فقط للسماح لهم بدفنها وتحت نظرهم وبرفقتهم وبسرعة
وبدون عزاء» .
الكرسي الكهربائي !
وبعد إجراء هذه التجارب على جسد وروح المظلومة (عواطف) بدأت مواد
الأعصاب تفتك في جسدها لتحيله الى جثة حيّة تتآكل بالموت البطيء
..
ولكي يخفوا آثار جريمتهم المروِّعة قاموا باعدامها صعقاً بالكرسي
الكهربائي ، - لم تكن الشهيدة عواطف أول ولا آخر من استشهد بطريقة
الكرسي الكهربائي ، فهناك العشرات - نساءاً ورجالاً - قد لاقوا
حتفهم بهذه الطريقة البشعة ، نذكر بعضاً منهم في سبيل المثال لا
الحصر :
* الشهيدة المعلِّمة فضيلة عباس الحداد .. من بغداد ، عام 1982م .
* الشهيد الجامعي تحسين خضر محمد .. من البصرة ، عام 1985 .
* الشهيد رضا جواد العويناتي .. من الكاظمية ، عام 1986/12/28م .
* الشهيد كامل ناجي الخالدي .. من النجف ، عام 1977م .
هذا ما تأكد لنا من خلال آثار الأحزمة على المعصمين والساقين ..
وهكذا سلّموإ جثة الشهيدة عواطف الى أهلها ، لتدفن بحراسة وصمت
دون أن تقام لها مراسيم دفن أو تشييع .. دفنوها ليلاً في وادي
السلام بجوار بطل الإسلام علي بن أبي طالب ، فسلام عليها وعلى
روحها الكبيرة الصامدة .. سلام عليها يوم ولدت ، ويوم استشهدت ،
ويوم تبعث من جديد .
شهيدة في أربعينية شهيدة
رُغم المنع والقمع من قبل السلطة الجائرة قرّر عدد من الزينبيّات
المقربات زيارة قبر الشهيدة السعيدة «عواطف» في أربعينيتها ، حيث
كانت المشاركة في تشييعها ودفنها من الصعوبة بمكان ، بسبب المنع
البوليسي والتعليمات الفرعونية ..
إنها الساعة الثانية ظهراً .. غاص سرب الحمائم في مقبرة وادي
السلام .. كان الوجوم قد خيّم على الوجوه مثلما خيّم الصمت على
المكان ..
كنَّ يمشين بين القبور على مهلٍ مطرقات ، كأنهنَّ زورقٍ هادىء
ينساب في بحيرةٍ مقدسةٍ ..
كانت المهندسة الشهيدة «رجيحة الخطيب» الحادية التي تتقدم الركب ..
بعضهنَ - الشهيدة المهندسة (رجيحة الخطيب) ؛ منارة بغداد المنسيّة
..
يتمتم مع نفسه والبعض الآخر يتحاور ويتبادل الآلام بحزن مَهيب ..
فاضت حدقات العيون بالأسى والحسرة ،حيث الدموع تنساب من الجميع
مثل غيومٍ تمطرُ على مهل .
وفجأةً انتبه الجميع .. تُرى لِمَ تَسمّرتْ قدما «رجيحة»؟ بل لِمَ
جَثَتْ «إبتهاج» على - الشهيدة ابتهاج النوّاب ؛ مأذنة الحريّة ..
ركبتيها باكيةً منتحبة ؟!
نعم .. لقد وصلن الى الحبيبة ، فها هو قبر العزيزة المظلومة
«عواطف» .. تهاوت النسوة على ثرى القبر باكيات نادبات ، ثم
مهنئات مباركات ف «الشهيد لا يُفتن في قبره» .
- قيل للنبي ما بال الشهيد لايُفتَن في قبره ؟ قال : «كفى
بالبارقة فوق رأسه فتنةً» .
بدأن الزيارة كأروع ما يكون اللقاء .. وأعلنَّ الوفاء كأقدس ما
تكون الدموع والآلام .. وأقسمن على العهد والميثاق - مُجدّداً -
كأصدق ما يكون العزم والثبات .
لقد استعرت أكبادهُنَّ بنار فراق (أُم دُعاء) .. فابتهاج ما فتئت
تردّد عند رأس عواطف ؛
كُنّا وإيّاكُم نزورُ مقَابراً
ومُتّم فزرناكُم وسوف نُزارُ
أما
رجيحة فصارت تتغنّى بالأبيات التالية :
هنا يقف الخاطر المُلهم
ويسكتُ فيه ويستسلمُ
وتلمحُ في جَنبات الضريح
دماء الشهادةِ إذ تُلثمُ
وقد قام من حولهِ الزائرون
ونارُ الأسى في الحشا تُضرَمُ
لم يطل «سرب الحمائم» الاقامة والسَجَع عند روضة الشهيدة «عواطف»
حيث صار الأهل والأقارب يتقاطرون على المكان .. إنها الأربعينية .
تفرّق السرب ويمَّمَ - عمداً - نحو الغروب ، لحاجةٍ في نفس يعقوب
قضاها..
تحدِّثُنا أُخت الشهيدة إبتهاج النوّاب :
- الأُخت الفاضلة الدكتورة مائدة النوّاب .
«عندما إستشهدت (عواطف) وتم دفن جثمانها الطاهر في مقبرة السلام في
النجف الأشرف ، رأيت أختي (إبتهاج) يوماً وقد أُدميت مقلتاها
وهُدَّ كيانها .. تُرى ما الخبر؟ !
أجهشت (إبتهاج) بالبكاء وأجابت :
لقد كنّا اليوم عند قبر صديقة عزيزة علينا ، اليوم أربعينيّة
(عواطف) .. وقد جاءت أمها بفرشة عُرسها ودَعَت صديقاتها وأتت
بطفلتها (دُعاء) معها وقالت بصوتٍ متهدِّجٍ حزين :
إبنتي عواطف ، أُبارك لك عرسكِ - لانها كما تعلمون لم تر عرس
ابنتها ، وبالأصل لأن عواطف وزوجها كانوا دُعاة مطارَدين ، فلم
يُقيموا عرساً كباقي الناس -
بدأت الأم تنشد عند قبر إبنتها ، وكانت (دُعاء) - وهي التي لها من
العمر أشهراً معدودةً آنذاك - وكأنها ثورة تريد أن تهدَّ كيان
الظالمين» .
وتضيف
إبتهاج :
«كنّا نبكي .. ولاندري على مَنْ نبكي ؟! لموقف هذه الأم التي
تبارك عرس إبنتها وهي تحت التراب ، أم لهذه الطفلة اليتيمة لفقد
عاطفة أُمها وحنان أبيها ؟! فهي إبنة الشهيدين» .
نعم ابتهاج ، إبكي أُخيّتاه .. ابكي على صديقتك الحبيبة «عواطف»
.. ولكن ، ليت شعري ، تُرى مَنْ سيبكي عليكِ غداً؟!
دعاء مرةً أخرى
وأخيراً وليس آخراً .. بقي أنْ نبوحَ بحادثة حصلت لنا اتفاقاً باذن
اللّه سبحانه ، حادثةٍ لا تُنسى ، تتعلّق بشهيدتنا الغالية
(عواطف) :
في عام «1999م» ، وقبل أن أُغادر الوطن قسراً لأُنفى الى (الربذة)
، ذهبتُ ومعي رفيقة السجن والدرب والمهجر الأُخت (ش . ي) لزيارة
وتوديع ضريح الإمام - سجينة مجاهدة كانت معي في سجن الرشاد
ببغداد.. وهي الآن معي في سجن (الربذة) بالمهجر!
كُنّا عازمَين على الهجرة .. وقد
لفت إنتباهنا منظر فتاة صغيرة مُحجّبة عمرها (15) ربيعاً ، كانت
كالملاك .. وكان كُلُّ ما فيها يُذكِّرنا ب (عواطف) ، بل كانت صورة
مُصغَّرة عن (عواطف) ! تُحاكي كُلَّ ملامحها وقسمات وجهها أنها
(عواطف) بعينها وأنفها وفمها !!
كانت تجلس بجوار إمرأة عجوز - أثقلتْ آلام السنين ملامح وجهها -
تقرأ لها الزيارة في حرم الامامين ..
وتجرّأت زميلتي واقتربت من الفتاة ، وطلبت منها بعض المساعدة -
تَصنُّعاً .
سألناها :
- خالة ما اسمُكِ ؟
فأجابت بحياءٍ ورِقّة :
- دُعاء !!
بدأت (دُعاء) تقرأ لنا الزيارة .. وبدأت دموعنا تنهمر كوابل المطر
.. ولم نستطِع أن نتمالك أنفسنا .. لقد وجدنا فيها طيف الشهيدة
عواطف ، حتى صوتها الشجي يشبه صوت أُمها الحنون .
إنّها الوليدة التي ذاقت العذاب وهي في أحشاء أُمها المُعذّبة ..
الوليدة التي وُلِدتْ وراءَ قُضبان السجون ، يحيط بها الأعداء
والجلّادون ..
إنّها بقيّةُ السيف التي ستكون - باذن اللّه - أكثرُ عدداً وأنمى
ولداً ، رُغمَ أنف الطُغاة الجائرين (ويمكرون ويمكر اللّه واللّه
خير الماكرين) .
إنّهُ البُرعُم الفتي الذي ترعرع ونما عوده الوارف ..
إنها (دُعاء) طفلة الشهيدة عواطف !
دعاء
دعاءُ .. يادعاءْ
يادوحةَ العزِّ ويا أنشودةَ الإباءْ
ياسليلة المجد الذي سار بركب الشُهداء
يابقيَّة السيف الذي لايعرف الذلَّ ولا الركونْ
هل تعلمين ..
أنّكِ رُغم أُنوف الأدعياء
ولدتِ في العراقْ
يُحيطك (الرفاقْ)
في أقبية السجون ؟!!
* * *
هل كُنتِ تشعرين ..
وأنتِ في أحشاءِ أمِّكِ جنين
في غُرف التعذيب
يهددُ عفافها الطاغيةُ الجلّاد ؟!
ينزعُ عنها سترها المصون !!
يريد أن يذلها
لتَنطق بسرِّها المكنون
يريد أن يقهرها
ليسحق إباءَها الحصين ؟!!
* * *
هل كنتِ تسمعينْ ..
أنّاتِ أمِّكِ التي اثخنها الجراحْ
صراخ روحها التي تُزهَق كلَّ يومٍ مَرّتين
أزيز قلبِها الذي أوجعه اللعين ؟!
فقلبُهُ حجارةٌ
ونفسه قذارةٌ
وحقدهُ دفينْ
هل كُنتِ تسمعين
نباحهُ .. عواءهُ
ضباحهُ .. صغاءهُ
نهيقهُ .. زئيره !
فكلُّ شيءٌ عندهم - حبيبتي - مُباحْ
وكلُّ عفّةٍ في شرعهم مهيضة الجناحْ !
* * *
هل حدّثوك - يادعا - عن قصّة الفطام
عن مشهد مازال ماثلاً في ذاكرةُ التاريخ
والأيام
يُقطِّع النياط .. والقلوب
يُمزِّقُ النفوس ..
يُقرِّحُ العيون ساعة الغروب
وأنتِ تصرخين ..
كأنَّكِ أحسستِ بالفراق
وأمُّكِ تكثرُ البكاء
والتقبيل والعناق
تحضُنُكِ بحجرها ..
تسقيكِ من عصير عمرها ..
تضمُّكِ في صدرها الحنون
كأنَّ عقلها الحصيفْ ..
قد مَسَّهُ الجنونْ
فَتَذكرُ الرضيعَ عبدالله
والربابَ
والحسينْ
والخيام
فتكتمُ في روحها العطوف
مشاعرَ الهُيامْ
تبتلعُ الآهاتِ والأنّاتِ
والأوجاع والآلامْ
وتبعث النجوى .. بكُلِّ كبرياءْ
من وحي كربلاء ..
حبيبتي دعاءْ ..
أمانةَ اللّه ويا وديعة السماءْ
سَنَلْتقي هناك - عند اللّه - في
الجنان
في روضة الرحمن . في مقعدِ الصدق .. مقام
السُعداء
(في عيشةٍ راضية)
(في جنَّةٍ عالية)
(قُطوفها دانية)
في موعد الحقِّ .. الى اللقاءْ
* * *
هل حدّثوكِ - يادعا -
مَن (زَفَّ) أُمَّكِ الجميلة العروسْ ؟!
مَن نثر (الحلوى) على الهامات والرؤوس ؟!
مَن أوقدَ الشمعةَ في زفافِها ؟!
أينَ قضت أمُّكِ شهر أُنْسِها ؟!
قد زفّها الرقيبُ
والسجانُ
والجلّادْ
في الشعبةِ الخامسةِ
في أقبيةِ (الأمن) ببغدادَ
وفي سجنِ الرشادْ !!
السيد أبو مالك الموسوي
24 / محرم / 1423 ه
قم المقدسة
بلا وداع
كمرفأٍ مهجور
كشاطىءٍ يبحثُ في المساء
عن طيور
عن سفينةٍ ..
عن زورقٍ مسحور
في ليلةٍ ظلماء
اتعبها نواح الريح والقبور
حانت لحظة العبور
أوّاه هكذا الوداع ؟!
لاعناق
ولايداً تلوح
أو ابتسامة الثغور
عواطف !
أُختاه ! لحظة انتظار ..
وانطفأ الفنار
وأُسدل الستار
أوّاه هكذا يسافر الأحرار ؟!
لا قُبلة
لا ابتسامة
لا شيء .. غير لوعة الفراق ؟
أوّاه ياأُختاه
هكذا العراق ؟!
كمال السيد
17 / صفر / 1423 هـ
قم المقدسة
|