|
|
قصة الشهيدة السعيدة أمل الربيعي
(
بقلم علي
العراقي و فاطمة العراقي
) |
هذه
المرّة سيقتلونني ، ولا أعتقد أنّي سأعود
......
الشهيدة السعيدة أمل الربيعي
الشهيدة أمل
الربيعي : الشهيدة الشاهدة
أُختاه
!
يوم ودَّعتِ بغداد من وراء النافذة
في ذلك الشتاء الحزين
كانت
نظراتك تخترق خيوط الامطار
وكانت عيناكِ تسافران عبر المدى
ان الشمس
التي تحلمين بها
ستشرق من عينيكِ
والقمر البهي هو الآخر
سيُضيء من بين
رموشكِ النديّة
لقد رحلتِ ولكن الذاكرة
..
ذاكرة الاجيال
ستُخلِّد
وجهكِ البهي
وجهاً يشبه ربيعاً في عنفوانه
رحلتِ واستعصى علينا
الجواب
كيف قهرتْ رقّتكِ وحشية الطغاة
!!
وكيف جعلتِ من حبل
المشنقة
( براقاً ) يسري بك عبر الذاكرة
العراقيّة
ويعرج بك الى السماء
!!
كيف ؟! أجل كيف ؟!!
الأهداء :
الى الأمل الذي
افترسته الآلام ..
أهدي حروفي وحرقتي ، علِّيَ
أحظى بالقبول
.
أخي القارىء الكريم :
مازلنا نستعرض لك
نماذجاً من تاريخ حركتنا النسوية ، الزاخر بقصص البطولة
والشهادة ..
شهيدات زينبيات
حَفرنَ أسماءَهُنَّ على لوحة التاريخ لتقرأها كلُّ الأجيال
على
مرِّ الأزمنة والدهور
..
قافلة من خيرة فتيات
العراق ونسائه تصدَّينَ للطاغوت بكل عزمٍ ووعي ، ورفضن حتى
الرمق الأخير أن ينحنين أو يتعايشن
مع (البعث الدخيل) ، حتى نلن وسام الشهادة
.
زرعنَ البذور وسقين
الخمائل قبل أن يرحلن الى الملكوت ، لتبقى قافلة الزهراء3
تسير وتسير حتى إزاحة هذا الكابوس
الجاثم على صدر عراق الصدر ، عراقَ عليٍ والحسين
.
أدعوك - قارىء
العزيز - لتصحبني في زورقي الصغير لنُبحر في سيرةٍ تعبق بمعاني
الجهاد والولاء للاسلام والوطن
..
إنه سِجلُّ بطلة
. . إنها الشهيدة السعيدة ( أمل الربيعي ) .
هويّة وصفات :
أمل فتاةٌ سمراء
متوسطة الطول جميلة القوام ، لها من العمر ( 22 ) ربيعاً ،
غادة
مُغلَّقة الأبراد ، وديعة مُحصّنة الأخلاق
، غاية في الرِّقة والأدب
..
متواضعةٌ
جداً مبتسمةٌ دائماً ، تسعى بأن لا
تُزعج أحداً لوعيها بأن ( مداراة الناس نصف
الإيمان ) [ تحف العقول / 35
] ، فالكل يُحبّها ويرتاح لها لأنها
كانت مصداقاً للحديث الشريف (أمرني ربّي بمداراة الناس) [
البحار 96 / 2 ] وقد أسِرت قلوبَ الأخوات في سجن ( الرشاد )
بنقاء روحها وطيب سريرتها حيث ضميرها كان نقيّاً
كالبلّور وروحها كانت شفّافة
كالفراشة ..
رُغم علميتها
وثقافتها كانت تمتاز
بكثرة الإنصات وقلّة الكلام ، فهي
من { الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه } [ سورة الزمر : 18
] ، وإذا
تكلّمت إختصرت
..
بَيْدَ ان حياتها
كانت زاخرةً بالعطاء
والفداء ، وأوقاتها حافلةً بالنشاط
والجهاد ((
كونوا دُعاة
للناس بغير ألسِنتكم ))
[
الوسائل 11 / 194 ]
..
ولدت شهيدتنا
الغالية في مدينة الثورة ، قلعة الصمود
ومعقل التحدّي ، ونشأت وترعرعت في
بيت من بيوتها المتواضعة قبل أن ينتقل أهلها الى
منطقة الكرّادة
.
تخرّجت من
الجامعة ، وعملت بوظيفة التدريس عاماً واحداً قبل أن
يتقدّم لخطبتها أحد أبطال الجهاد في
عراق الرجال ، حيث تم عقد قرانها عليه
..
لكن
ذلك لم يشغلهما عن المنهج الذي
رَسَماه ، أو يُلهِهم عن دربهما الذي سلكاه (لم
يُلهِهم الأمل عن العمل) ( الصحيفة
السجادية / 268 )
...
وبينا هما يهيئان
لتوفير ما يحتاجهُ عُش الزوجية المتواضع ، تم اعتقالهما معاً
وأنقطعت أخباره عنها
وأخبارها عنه
!
بَيْدَ أنه وبعد سنين من استشهاد (
أمل ) تبيّن لنا أنه قد استُشهد
في ملحمة الحق وقبل إعدامها بشهرٍ
واحدٍ فقط .
الاعتقال والاتهام :
كانت ( أمل )
ريحانة عطرة .. فجاءت الى سجن الرشاد زهرة ذابلة ، لما عانت
من وحشيتهم في التعذيب المريع وقسوتهم في الحقد الدفين لنشاطها
وعطائها .. حيث
كانت تُعبّىء الناس وتستنهض الهمم {
وهُدوا الى الطيّب من القول...} [ سورة الحج24
- ]
سيّما وأنها كثيراً ما كانت تتفقّد
عوائل الشهداء والمعتقلين وتحمل لهم ما
يمكن أن يخفّض عنهم همّ الحاجة وضيق
المعيشة ، ف (( ليس الإيمان بالتحلّي ولا
بالتمنّي ، ولكن الإيمان ما خلص في
القلوب وصدَّقته الأعمال )) [
تحف
العقول272 /
]
.
كانت ( أمل )
تكتب وتوزّع - سرّاً - المنشورات الثورية التي تُدين جريمة
النظام الكبرى باعدام المرجع
القائد المفكّر السيد محمد باقر الصدر1 وأخته الفاضلة
العلوية وبشن الحرب الظالمة على
دولة الإسلام الفتيّة .
كان ضابط التحقيق
المجرم الجلّاد المقدّم مهدي
الدليمي ( أبو هبة ) الذي ترك في مديرية أمن البصرة
سجلّاً أسوداً بشعاً حافلاً
بالإجرام وهتك الحُرمات
.
تم اعتقالها
وخطيبها عام ( 1982م
) من قبل أزلام ( أمن ) النظام في مدينة الثورة بتهمة الإنتماء
الى خط العميل
الصدر على حَدِّ قولهم
.
اعتقلوها ليلاً بعد أن داهموا البيت
بهمجيةٍ بعثيةٍ
مألوفة
!
كما اعتقلوا معها
أُختها المجاهدة ( سُندس ) والتي حُكِم عليها فيما بعد
بالسجن المؤبد - إعدام مخفف - بيد
أنها خرجت بالعفو الصادر عام ( 1991م ) والذي يحمل
القرار رقم ( 241 ) ، حيث أُطلق
سراحها يوم (1991/7/21م )
أعلن رأس النظام هذا
العفو قبل احتلاله لدولة الكويت
بأيام !
أمل .. وألم :
تم تعذيب الصابرة
المجاهدة ( أمل ) بكل الوسائل البشعة ، كالتعليق بالسقف ،
والفلقة ،
والعصا الكهربائية ، والكيبل
..
كان المجرم يأمر
بتعليقها ساعات طوال ، فكانت قدماها تقاومان عشقهما للأرض حيث
العصا التي لا ترحم جسدها الرقيق ،
وهي تئن وتعاني من الآلام الشديدة من نهش
الكيبلات التي مزّقت جسدها
..
لقد غيّر الجلاد مواقع حروف أسمها
الجميل أثناء
التعذيب الوحشي فصارت ( أمل ) كتلةً من (
ألم ) .
بقيت ( أمل ) في
مديرية ( أمن ) الثورة
فترة ( 6 ) أشهر .. ثم جيء بها
الى ( موقف ) مديرية الأمن العام ، بعدها ذهبوا بها
الى قاعة محكمة ( الثورة ) لإصدار
حكم الاعدام الجائر والجاهز ، وحسب المادة ( 156
ـ
أ ) ! تم نقلها من المحكمةِ مباشرةً
الى سجن الرشاد ببغداد - القسم السياسي - حيثُ
بقيت
( 3 ) أشهر بانتظار
تنفيذ الحكم ..
بغداد .. حبيبتى :
انتهت فترة الإنتظار
في سجن الرشاد .. فها هي سيارة الاعدام تنتظر عند الباب الكبير
لنقل ( أمل ) ورفيقاتها الى سجن (
أبو غريب ) حيث تنفيذ حكم الاعدام الجائر
.
وهكذا
ودّع سجن ( الرشاد ) الفراشة
الوديعة .. ودّع ( أمل ) الحبيبة الإليفة
..
استقرّت
حمائم الإسلام في الصندوق الصديء
..
إنطلقت السيارة
تخترق العاصمة بغداد وهي
تلوذُ بأطراف الشوارع ، وكأنها لصٌّ
يحاول الاختفاء !
عواطف ملتصقة بالنافذة
الحديدية الصغيرة وسط الصندوق
وبجانبها ( أمل ) . .
كانتا تهمسان مع
بغداد -
الذكريات - وكان الحديث لكُلِّ منهما ذا
شجون ..
فتعال معي - أيُّها القارىء
الكريم - لنطّلع على الحديث الذي
دار بين ( أمل ) وبغداد ، والذي نقلته لنا - فيما
بعد - بعد تأجيل الاعدام ورجوعها
الى سجن
( الرشاد ) . .
تقول أمل
:
( عندما
رأيت بغداد ، خفقَ قلبي .. لقد
امتزج الفرح والحزن معاً .. أحقاً هذه بغداد ؟
!
كنت أتطلّع الى بغداد ، وكل ذرّة
في كياني تختلج .. كُدّتُ أسمع دقّات قلبي
وهي تلفظ حروف ( بغداد ) بأيقاعٍ
ثقيل ..
هاهي بغداد ، حيث طارت الذكريات صوب
الوطن المطعون وبدأ شريط الذكريات
والدموع ..
بغداد .. اشتقتُ إليك .. اشتقت
الى قبابك الذهبية .. اشتقت الى
الأهل والخلّان ..
على مَنْ عتبي ؟ على
الأيام التي باعدتنا ؟ أم على
الأعداء الذين نهبوا أرضنا ؟
تُرى هل يكون لنا
لقاء آخر يابغداد ؟ هل أراك ثانية ؟
بغداد ، كيف أنتِ الآن ؟ أما زالت
صحارانا
تشكو من دماء الأبرياء ، والتي لو نطقت
لطَلبتْ الى بارئها الثأر لمن تحتها من
الصالحين ؟ أما زال أنين الثكالى
أقوى من صوت الأذان ؟!
مسحتُ دموعي ، ثم
واصلت التفرّج على معالِم بغداد
المظلومة التي انسحب عنها النور وزحف إليها الظلام
، رُغم أن حفيف سعفات النخيل الذي
صاحبه زخّات من المطر كان أجمل موسيقى أسمعها
قبل ارتحالي عن هذه الدنيا
..
إذن هاهي بغداد المفجوعة عند مرمى
بصري ، ولا
أخالها تتذوّق للشمس طعماً ، بل انها تلعقُ
طعم الفجيعة .. لا أخالها تُفرِّق بين
ليلٍ ونهار ، فكل أوقاتها أصبحت
ليلاً كثيف العتمة وظلاماً ثقيل الظُلمة
..
بغداد هل فتّتَ الأسى والألم روحك
؟ هل مازال قلبك ينبض بالحياة ؟!
أراكِ
ترتدين ثوب الحداد الأسود .. منكوبة
بغداد ، فقد انغرستْ في لحمك أنياب وحوش البعث
الضارية
..
فالشوارع تنعق بأغاني القادسية
الرخيصة وبموسيقى الحرب الصاخبة ،
وكأن خريف الموت داهمكِ فجأةً ،
فأصبحتِ شبح مدينة تحتضر
..
في آخر مرّةٍ خرجتُ
من حُضْنُكِ الدافىء والعيون غرقى
.. لوّحتُ لكِ ، وكأني قُلتُ وداعاً ، لأنَّه
الوداع القهري .. ولو كنتِ سامعةً
قولي لانكسرَ قلبكِ يابغداد .. ولكن أنّى لك ذلك
، والضجيج المنبعث من فرقة الطبالين
ومرتزقة الفن المَلكي حال بينك وبين أن تسمعي
صوتي الخفيض المتخشِّع
..
بغداد .. أمازالت ذئاب البعث
منتشرةً في كُلِّ شبرٍّ
من أرضك الحزينة ؟ في الشوارع ؟ في
الأسواق ؟ وهي تنهش لحمكِ بشهيَّةٍ ووحشيّة
..
أما زال النخيلُ أسيراً لم تسلم
عُذوقه الذهبية من أيدي لصوص البعث ؟!
أما
زالت طيور المآذن تهاجر هاربةً من
رصاص حقدهم الأسود ؟!
حمّلتيني فوق أحزاني
حزناً آخر يابغداد
..
حزن مُطبق يرصف شوارعك أيتها
الغالية .. ووجوه متعبة صابرة
تسير بصمتٍ وتأسٍّ
!
عيناكِ محمرّتان من كثرة الاجهاد
ولقلّة النوم .. وأنّى
لكِ أن تنامي وأن ترتاحي وفرقة
الطبّالين لم تُمهلكَِ ساعة كي تستريحي وتفكري
بهدوء
..
كيف تنامين وأبناؤكِ مسهّدين ! كيف
تبتسمين وأبناؤك يبكون ؟ كيف
تكتحلين وبناتك ما شهدت أعينهنَّ
الكُحل ! كيف تكتحلين وعينا ( بنت الهدى ) اكتحلتا
بالدم
!!
ولكن لا يابغداد .. لابدّ للشمس أن
تعود ، ولابدَّ للسحابة أن ترحل ،
إبتسمي ولا تيأسي .. سنعود يابغداد
.. سنعود باسمٍ آخر وبشكل آخر .. سنعود مادام في
رحمكِ أنصار ( الصدر وبنت الهدى ) .
.
فاشعلي أنوارك ، ولا تطفئي المصابيح
.. وستخلعين ملابس الحداد على
أرواح الشهداء ، وستشهدي اليوم الموعود حتماً ، وسترفرف
فوق هامتك أعلام النصر باذن اللَّه
وسيُتلى في أجوائك نشيد ( اللَّه أكبر ) ، وسنغسل
جدائلك بماء دجلة العذب ، نغسلها ثم
نزيّنها بمليون وردةٍ بيضاء ، ومليون غُصنِ
زيتونٍ أخضر )
ألاَ ثوروا على
المتجبّرينا
ولا تَخشَوا سِلاحَ
الظالمينا
وخُطّوا من دم الشُهداء سِفْراً
يظلُّ الدَّهرَ سِفْرَ
الخالدينا
فكم قاسَوا من الحُكّام ضَيْماً
وكانوا رُغم ذلك صابرينا
..
وياليلَ المآسي كَمْ نُداري
..
جُروحاً أحدَثتْ فِينا شُجونا
..
وأحلامٌ العَذارى كمْ تلاشَتْ
..
وقد زُفَّتْ لكي تَلقْى المَنوُنا
..
ودَعْكم مِن مُسَاوَمةٍ فأنَّا
..
أبيْنا أنْ نكونَ مُساومينا
..
ويافَجر الشهّادةِ إنَّ شوقاً
الى لُقيا الشَّهادةِ
يَعترينا
خُمَينيون .. وحَّدنا شِعارُ
على نَهْج الألى رَفعَوا
الجَبينا
من
قصيدة ( خمينيون وحّدَنا شعار ) للشاعر أبو فراس من الجزيرة
العربية .
أمل : الموت مرّ أمامي :
رافقت ( أمل )
الشهيدة
(
عواطف ) في جميع محطات رحلة العذاب
.. لقد تابعت فصول
مهرجان الإعدام الجماعي ب( 150 ) شهيداً ..
ثم شاهدتْ بأم عينيها تنفيذ حكم الإعدام
شنقاً بالعلوية ( فاطمة ) . .
نعم ، لقد شاهدت وعن قرب تلك الوجوه
التي أرهقها
عذاب الاعتقال .. رجال لِحاهُم طويلة ،
عيونهم غائرة ، أجسادهم نحيلة ، شفاههم لم
تفتر لحظةً عن ذكر اللَّه .. وعن
الدعاء ، مشغولةً تتوسل السماء بالمغفرة ، وتنطق
بالشكر للخاتمة
{ ترى أعيُنهم تفيض
من الدمع ممّا عرفوا من الحقِّ يقولون ربّنا
آمنّا
فاكتبنا مع الشاهدين}[
سورة المائدة : 83 ]
.
ثُلّة منهم تقرأ ما
حفظت من كتاب اللَّه .. وأخرى
تُصلي وتقرأ الزيارة ، وثالثة التصقت بالجدران تكتب
أشياء، ورابعة انضمَّت لقراءة نشيد
الخلود ( يحسين بضمايرنه ) . .
دويٌّ كدويّ النَحل يعبد الخالق
ويشكوه ظلم الطغاة وما فعلوا بهم وهو أعلم
بما يفعلون
.
كان يوماً فريداً
لا أظن انه سيمحى من ذاكرة الشهيدة ( أمل ) حتى لو انتقلت الى
بساتين الجنة . .
قتلوهم كى لا يأتي الفجر :
كانت الشمس الموشكة
على الغروب تلقي بأشعتها الواهنة على جدران سجن ( أبو غريب )
الكبير ، وكان السجن في تلك الفترة
باباً من أبواب جهنم ، يصرخ وينادي هل من مزيد
!
لقد شاهدت ( أمل ) جثث الشهداء ،
تلك الأجساد الغضّة بالشباب والمبادىء ، وقد
أمسوا فريسة الذئاب والخنازير ، حيث
لا تسمع لهم صوتاً ولا حركة .. فهي تنظر الى
داخل القاعة ، غير مصدِّقة ماترى !
لقد طحنتها الصدمة ، فهي تارةً تُغمض عينيها
لأن المشهد يفُتّ القلب ، وأُخرى
تمسح دموعها وتُعاود النظر بذهول
.
نعم أُختاه
.. إنّهُ نظام حُكم العُصابة
اللاإنسانية التي جثمت على صدر عراقنا الحبيب .. وحوش
ذات قلوب مقفلة عشعش فيها الظلام
والحقد الأسود ، بل هؤلاء أبشع من الوحوش
! فالوحوش تترفّع حينما تشبع ، ولا
تَفتُك حتى تجوع .
وانَّ الطُغاة على مرِّ
التاريخ لا يرتاحون للصالحين
الواعين فتراهم يذوقونهم سوء العذاب بينما يرفُل الهمج
الرُعاع في النعيم .. يحتَّلون
المناصب والادارات ( فاستخفَّ قومه فأطاعوه )
.
مائة وخمسون فارساً أعدمهم الفرعون
، ولم يعدم من الزمن سوى ساعة فقط .. أجساد
تساقطت فوق بعضها تباعاً كأوراق
الخريف ..
كانت التُهم جاهزة ، وعنوانها
الرئيسي ( خُمينيّون في خط العميل
الصدر ) ! قتلوهم في المساء ، قتلوهم حتى لا يأتي
الفجر .. ما أعجزهم حين يقتلون ،
والقتل كُلَّ ما يستطيعون
..
وهكذا انتهى
خصام الوحوش باعدامهم جميعاً ..
بعدها نقلوهم ليدفنوهم في مقابر مجهولة ، وأعطوا
للبعض من أهاليهم أوراق ( صفراء )
تُنبىء بقتلهم .
الجدران ووصايا الشهداء :
كانت دقائق الانتظار
في القاعة الكبيرة - وقبل رجوعها للرشاد - فرصةً سانحة ل ( أمل
)
، حيث التصقت بالجدران ، وبدأت تتأمل وتقرأ
وصايا كتبها الشهداء قبل اعدامهم بلحظات
..
بعضهم كتب إسمهُ وعنوانه وتلفون
بيته وتأريخ استشهاده ، وأخرين كتبوا حِكَمٍ
وعباراتٍ تصلح كوصايا للأمة ..
كانوا يوصونها بحب الوطن وتحريره مهما كان الثمن
..
مائة وخمسون شهيداً كتب الكثير منهم
وصاياهُ على هذه الصحف الصفراء الجافّة
رُغم حرارة الكلمات وعذوبتها .. انه
التاريخ الذي لا يعرف سوى الأسماء .. كانت
الجدران خرساء صَمّاء بيد أنها الآن
قد دَبَّتْ فيها الروح وصارت تنبض بالحياة
..
وصايا كتبوها على الجدران الناطقة
وكأنهم لايريدون أن يَكتب التاريخ حفنةً من
اللصوص والقتلة .. التاريخ تكتبهُ
الشعوب بدماء أبنائها ..
وبينما كانت أمل تزرع
قُبلاتها على الجدران ، وتلثم
الكلمات بحرارةٍ وبهدوء ، والدموع غزيرة طافحة لقد
قرأت على الحائط عبارة مفادها ( هل
من فاعل خير يقرأ كلماتي هذه ويُبلّغ أهلي وعلى
التلفون (!!!!821) .. فاني بعد
دقائق سيعدمونني . . ) .
واذا بها قد تسمّرت عند
رقم التلفون .. ألم يكن هذا الرقم
هو نفسه رقم تلفون (....) !؟
طَرَدت الهاجس عن
ذهنها وتابعت قراءة الكلمات ، وإذا
بالذهول قد عمَّ كل ملامح وجهها الصغير .. إنه
اسم خالها ، إنه المجاهد البطل
(...)!
شهداؤنا في سجلّات النظام مجرد
أرقام ،
ولكنهم عندنا مشاعل نور ، ورفاق درب ..
إنهم عشاق الحسين7 قرابين البيعة والولاء
.
بغداد .. مرّةً أخرى :
عادت
( أمل ) بصحبة رفيقة المصير ( عواطف ) وبالسيارة ( الصندوق )
ولكن هذه المرّة انفردت
( أمل ) بالنافذة الصغيرة حيث
اكتئاب ( عواطف ) وعزوفها عن التأمُّل في بغداد
!
أطرقت ( عواطف ) حزينةً صامتة ..
لقد ذهبت نفسها حسرات على تأجيل تنفيذ الأعدام
، فهي قد انتظرت تلك الساعة طويلاً
.. إنها الشهادة ، حُلُم حياتها
.
أمل تقفُ
بجنب النافذة ، تهمس مع نفسها تارةً
وتحاكي بغداد أُخرى ..
( أحقاً إني أرى
بغداد ثانيةً ؟! حسبتُ أن لا أراكِ
ياحبيبة الروح ..
بغداد خيّمَ عليك الليل
.. وكأن النهار ما كان .. ورُغم كل
ذلك ، فكم أتمنّى أن أتجوّل في شوارعكِ ، وأملأُ
صدري المُقفَل على الهمِّ من
نسيمكِ المنعش الندي ، أن أفتح ذراعيَّ لاضُمَّكِ
الى صدري ياعزيزة الروح
..
أُحبّكِ بغداد .. أُحبكِ محبة
الأحرار لا محبّة
العبيد ، لكنني أخشى عليكِ من مزاجك
الشتائي المُتقلِّب
! ) .
( بغداد ) ياطفلةً
للشمس ضاحكةً
أودى بضحكتِها الطاعونُ والجَرَبُ
أمل ؛ الشاهدةُ الشهيدة :
رجعت أمل الى سجن
الرشاد بعد صدور قرار تأجيل الإعدام ، وصلت الساعة التاسعة
ليلاً ..
إذن هاهي ( أمل )
مرّةً أخرى .. وقد أمست تلك الليلة كورقة صفراء ذابلة ، حيث
رجعت
الى سجن الرشاد شاهدة وشهيدة .. شاهدةً
على دموية الإستبداد البعثي . وشهيدةً
تُحفِّز على النصرِ أو الشهادة
..
بكاء
الغيوم :
حينما وصلت أمل الى
سجن الرشاد ، كان في صدرها إعصار من الألم .. استرسلت في
حديثها وهي تجهش في بُكاءٍ مرٍّ
حزين ، بدأت الدموع تُكلِّلُ وجه
( القسم ) بالحزن
والأسى ، لقد بكت الغيوم واعتصرت
ماتراكم عليها من آلام وآلام
..
ذَرَفن
الأخوات السجينات الدموع سخينةً
سخيّة على الشهداء الذين تعطرت بهم صحارى البعث
.. كانت ليلةً لم يطرق النوم فيها
عيون المخدّرات ، حيث نفّست النفوس عن بعض
كَرْبها المكبوت وعن بعض ألمها
المدفون .. وقد أشرق الفجر بعد ليلةٍ ما نمنَ خلالها
أبداً ، بدأن يتوضأنَ الفجر بالماء
والدمع ، ولكن ( أمل ) لم تزل خاوية ذابلة الأجفان
تشهق من الأعماق كأنها شمعة تذوي
وتخبو في ليلٍ شتائيٍّ طويل
..
اللقاء الصحفي :
وبعد أيام ارتأت بعض
الأخوات إجراء لقاءٍ صحفيٍّ رمزي مع كل من الشهيدتين ( عواطف
وأمل ) ، وكان السؤال الأهم هو : (
ما شعوركِ وأنتِ ترجعين من الإعدام ؟ واحتمال
إلغاء الحُكم ) . .
فكان جواب الشهيدة
عواطف هو البكاء المرّ واللوعة المستعرة ، خوف عدم نيل الشهادة
بعد رحلة الصبر
والعذاب الطويلة
..
أما الشهيدة أمل
فكان جوابها يختلف تماماً حيث قالت :
( أنا أشعر بفرحة
تغمرني ، لاحبّاً بالحياة ، بل فرصةً أستثمرها للتزود من
الدنيا بما
ينفع الوطن والآخرة فالدنيا مزرعة الآخرة )
. .
وأضافت
:
( مازالت لنا فُسحة
، ومازال الموت يتربّص بنا ، فلِمَ لا نتزوّد من الدنيا
بالجهاد
والعمل الصالح ؟! )
أمل فَرِحةٌ وسعيدةٌ
ومُفعَمةٌ ب ( الأمل ) لأنها تعتقد أن في العمر مُتّسعاً للعمل
والعطاء .. ولكن أنّى لها هذا !
لقد رجع المجرمون بعد عشرين يوماً ليأخذوها الى
حيث اللارجعة
.
وهكذا اغتسلت ( أمل ) غسل الشهادة
وتكفّنت بكفنٍ كُتب عليه دعاء
الجوشن الكبير ، وخرجت مودِّعة
الأخوات قائلة :
( هذه المرة سيقتلونني ، ولا
أعتقد أني سأعود )
فأجابتها إحدى الأخوات
:
حبيبتي أمل ؛ هذه المرة نحن
سنلحَق بكم ، حيث القرب الذي
لابِعاد بعده والاجتماع الذي لا فراق وراءه
.
الليل وصحراء النجف :
وصلت ( أمل ) الى
سجن ( أبو غريب ) يوم الأحد قبل الظهر ، بداية عام (1983
م(
.. وتم تنفيذ حكم الإعدام الجائر
مساءً في قاطع الإعدام الخاص بالنساء قسم
الأحكام الثقيلة .. تم إعدامها
شنقاً ، حيث آثار الحبل حول العنق ، وانتفاخ وإزرقاق
الأطراف
..
في اليوم التالي تم إخبار أهلها
لإستلام جثتها من ( أبو غريب ) لتُدفَن
بحراسةٍ وبصمتٍ في صحراء النجف بلا
أدنى مراسيم تشييع ، اللهم سوى حفنة من
الأشخاص وقليلٍ من الدموع الساخنة
الخائفة ..
سَلَّموا جثتها ليلاً لتُدفن ،
لأنهم يخافون الفجر .. وكان الليل
وبالرغم من تظاهره بالسكون ، غاضباً حزيناً قد
أُترعَ ألماً ، لأنه دائماً يتم وأد
الأرواح فيه ، مثلما يتم فيه دفن الأجساد
..
دفنوها بصمتٍ ثقيل ، وبدموعٍ غير
ناطقة ، في صحراء النجف ، التي لو نطقت لطلبت
الى بارئها الانتقام لمن تحتها من
الضحايا والأبرياء ، وكأني بهذه الأتربة وهي
تئنُّ لكثرة ما شربت من دماءٍ
طاهرةٍ كُل ذنبها أنها هتفت بالقرآن
..
فسلامٌ
على ( أمل ) يومَ ولدت ، ويومَ
جاهدت ويومَ تُبعثُ شهيدةً شاهدة
.
قصائد.....
وداعاً بغداد
من خَلل الامطار
والدموع
من خَلل الزمان والسنين
المح
عينيك تبسمان للربيع
أراك تهتفين
عواطف
!
انظري انها بغداد
بغداد
فيها نشيدٌ حزين
بغداد هيّا أوقدي الشموع
* * *
أُختاه ياأُختاه يا
أمل
أكاد أُبصر الربيع قادما
يُطارد الشتاء
مرارة الأيام تنقضي
ملاحما
ويُهزم الدجل
كالشمس في السماء
تشرقين يا أمل
عصفورةً تطير في
الفضاء
بلا انتهاء
كزهرةٍ تشُعّ بالعبير
بالشذى
فكفكفي
الدموع
ستنفض الردى
وتطرد الكرى
من على عيونها الجموع
وتشرق الشمس
على شواهد
القبور
بغداد حان موعد النشور
آهٍ لبغداد التي لاتثور
.
كمال ا لسيد
*********************************
أمل
بيني وبينكِ
قيدٌ ، وزنزانة
سجنٍ
واعتقال
بيني وبينك
حلمٌ فراتيٌ أصيل
يطرزهُ الخيال
كانت
أناملكِ
ترسم عيون الفجر
تحت الأرض
فوق المشانق والحبال
يالغة الأمس
البعيد
يالغة الرفض العنيد
يالون عاشوراء
يعانقه الشهيد
* * *
أملٌ
أمست كأنها بغداد
ترتدي فستانها الأبيض
تطوف به تلك
البلاد
أو قبر الحسين
أملٌ
كانت عيونكِ كالشموخ
ترفض الذل
المعتَّق
في عيون المخبرين
وترى زيف أشباه الرجال
أملٌ
كانت
تُصلّي
رغم القيد
والزمن المزيف
ركعتين
وتنحني تداعب
أناملها
الخضراء
تسبيحة الزهراء
وتذرف دمعةً
على جرحِ
بغداد
أو
دمعتين
أملٌ
كانت رؤاها
رؤى الحوراء زينب
وبيرقها الحسين
مهدي
الحسناوي |