ابحث عن شهيد

 








بحث متقدم



شبكة إرث العراق » الأخبار » بغداد


صفحة جديدة 12
الشهيد حسين نعمة مخيفي

 
تاريخ الولادة: 1954 م
المستوى الدراسي: معهد التكنولوجيا
تاريخ الاستشهاد: 1979 م
سبب الاستشهاد: ناشط اسلامي

نفحات عبقة من حياة الشهيد


تتحتار في وصفه ، أهو بحر تحتاج إلى قاربٍ لكي تبحر في مياهه ؟ أم هو سماء يلزمك طائر لينقلك في أرجائها ؟

    شابٌ لا يعرف معناً للسكوت والركون إلى الظالم مهما تجبّر وطغى ، مؤمن نشط ومنذ صغره ، لم تكن أيامه أياماً عادية كباقي أيام الشباب بل حتى لحظات حياته ليست كلحظات حياتهم . .

    وُلد هذا الفارس البطل في عام 1954 م لتنير مدينة الصدر بنجم آخر يزيّن سماءها ، تلك المدينة التي سقت بدماء أبنائها الأبطال  نخيل الوطن ليرتفع شامخاً يطاول أعنان سمائه . .

    وقد تمتع شهيدنا بشخصية ميّزته عن سائر أصدقائه وزملائه ، فعندما كان طالبٌ في المتوسطة كان يجمع أطفال المنطقة في بيته ويلقي عليهم الدروس الإسلامية في التربية والأخلاق ، وعندما يتقرب وقت الصلاة يأخذهم على شكل رتل منظّم ليؤدّوا الصلاة في أحد المساجد القريبة لمنزله ، وهذا دليل على شعور هذا الإنسان بمسؤوليته منذ صغره ، فهو لم يجلس كباقي الأطفال الذين هم في مثل عمره لتأدية بعض الأمور البسيطة المتعارفة بل قام بتثقيفهم وتربيتهم ، وهو يواصل عمله الإسلامي هذا حتى في مدرسته وينشر دعوته بين الطلاب ، ليكون متعلّماً ومعلّماً أيضاً .

    وعندما أنهى ( حُسين ) دراسته المتوسطة التحق بإعدادية الصناعات الكهربائية ببغداد والتي كان فيها مثالاً للطالب المُجِد في العمل والمشهود له بالأخلاق والمواظبة على الدوام ، وفي احترام الهيئة التدريسية ، لذا أحبه المدرسون وحَظِي بتقديرهم وثقتهم ، وقد استطاع بصفاته المميَّزة أن يؤثر على بعض الطلاب ويكسبهم إلى طريق الإسلام ، فكان زهرةً يملأ الأجواء عطرها ، وملاكاً يسيطر على المكان نوره أينما ذهب وحل . .

    هكذا هم الشهداء ؛ يسكنون القلوب أينما وُجِدوا ، وتبقى صورهم معلّقةً في ذاكرة كل من رآهم ، وأصواتهم الخاشعة في آذان كل من تشرّف بلقائهم ، ولكن في الجهة الأخرى ؛ نراهم قد أصبحت أنفاسهم الطاهرة عواصف تقتلع الطغاة ، ودقات قلوبهم كأصوات المدافع يحسبها الأعداء ، فهم ( أي الأعداء ) يحسبون لهم ألف حسابٍ وحساب ، يرتعدون لمجرّد سماعهم بأسمائهم ، ولذا فهم يحاربون أولئك الأبطال بكل وسيلة يمتلكونها ، ولكن هيهات للذباب أن يزيح الصخر من مكانه . .

    وهكذا كان البعثيون ، لا يملكون سوى السياط ، ليعذبوا بها ، ولكن لمن ؟ لجبال العراق ، وهيهات للسوط أن يفتت الجبل ، وإن أصبح البعثي في أوج قوته فإنه سيملك المشنقة ، ولكن هل يمكن للمشنقة أن تنهي حياتهم وهم المخلّدون في السماء قبل الأرض ؟!

قال تعالى : { ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون } ( آل عمران / 169 )

ولكن كيف لمن لا يعرف سوى الموت أن يدرك معنى الخلود ؟! ولذا تراهم يحاولون عبثاً تعذيبهم وقتلهم ، ظانين بأن من يحاربونهم أناساً عاديين . .



    وهكذا كان البعثيون يتربّصون بشهيدنا البطل ، فقد شعروا بخطر كبير يهزّ عروشهم الخاوية من جرّاء هذا النشاط الإسلامي الواعي الذي يقوم به الشهيد ، فبدؤوا يلاحقونه أشدّ ملاحقة وحذروه وهدّدوه ، ولكن هيهات لمن لم تهزّه العواصف أن تهزّه نسمة هواء ! فلم يعر لهم أي وزن وكان يقول ، ان هؤلاء جبناء لا يمكنه أن يوقفوا المسيرة ، وهكذا كان ، فلم يجد البعثيون وسيلة لإيقافه ، فاتجهوا إلى وسائلهم الجبانة التي لا تعبّر إلا عن خوفهم وضعفهم فاتفقوا مع أحد المدرسين ليرسبه ويسبب له المشاكل والعقبات ، ولكن كيف لبعثي حقير أن يدرك عظمة الشهيد وأهدافه السامية ؟! فشهيدنا لم تكن غايته الدراسة وإنّما كانت وسيلته للوصول إلى الهدف الأسمى . .

    ولذا فقد خابت ظنونهم السيئة فأكمل شهيدنا الدراسة الإعدادية والتحق بمعهد التكنولوجيا ببغداد وذلك عام 1974 م .

    وهكذا بدأ شهيدنا حياةً جديدة بالعمل والتنظيم ، ففي هذه المرحلة من الدراسة كان لا بد فيها من تغيير أساليب الدعوة إلى الإسلام ، حيث إن الطلاب يتأثرون بالحياة المزيّفة التي يختلقها البعض تحت ستار الحياة الجامعية والزمالة الدراسية ، لذا فقد اتخذ شهيدنا اسلوبا معينا في التوجيه والدعوة حيث بدأ باللقاءات الفردية فقد كان يلتقي مع أفراد معينين على انفراد فيؤكّد عليهم بأن تكون لكل فرد في هذا المجتمع شخصية مميّزة له ، وأن يكون له رأيه الحر وأن يتمتّع بالملكة العظيمة والأخلاق وحسن السلوك ، لأن الفرد يعرَف بما يملك من أفكار سامية وشخصية فذة مميّزة ، وليس الفرد بضخامة جسمه وبملابسه البرّاقة . .

    فكان أسلوبه الرائع هذا يؤثر على عدد من الطلاب ، لينشأ منهم جيلاً من المؤمنين والملتزمين . .

    بالإضافة إلى تلك الثقافة والتربية التي زوَّد بها الطلاب ، كان ( حسين ) ذلك البطل الذي ينطق بكلمة الحق والذي لا يخاف في الله لومة لائم ، فقد كان الصوت الذي لا ينقطع ، والفاضح لمخططات البعث العميل ، وأهدافه الشريرة ، فعندما استشهد في تلك السنة الشهيد البطل الشيخ عارف البصري مع مجموعة من أصحابه على أيدي الطغاة الكفرة ، كان للشهيد حسين ( وكما هو اسمه الذي يحمل كل معاني الرفض للظلم والطغيان ) ، كان له دوراً طليعياً في فضح هذا العمل الإجرامي الذي أقدمت عليه السلطة العميلة ، فطالما كان يوضّح لمن يثق بهم من الأساتذة خاصّة من غير العراقيين ـ عند لقائه بهم في النادي أو القسم ـ عن الأعمال الإجرامية التي يقوم بها البعثيون في ملاحقة الطلاب المؤمنين والإعدامات الجائرة في صفوف علماء الدين . .

    وكما هي عادة البعثيين الذين يخافون من كل حركة تهدّد وجودهم ، فقد أخذوا يراقبونه ويطالبونه بالانضمام إلى حزبهم العميل ، ولكن الشهيد حسين كان يرى فيهم عصابة قتلة ، حيث كان يقول كيف اضع يدي في يد عصابة مطلوبة بدم الشيخ عارف واصحابه ، وهكذا مضى شهيدنا يسير في جهده ودعوته في ذلك الطريق الذي ملأته الأشواك ، ولكن قدماه رغم جراحاتها أبت إلا أن تكمل المسير ، حيث كان يسير سير المؤمن الذي جعل الشهادة جزءاً من حياته . .

    وفي السنة الثانية من الدراسة ضَيّق المجرمون عليه ، فكانوا يلاحقونه في كل مكان يجتمع فيه مع إخوته المؤمنين ، فالبعثيون يخافون من كلّ كلمة بل من كلّ حرف حق ، وكما قال القرآن الكريم في وصف المنافقين : { . . . يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنّى يؤفكون } ( المنافقون / 4 ) .

وقد كان ملاحقاً حتى في المحاضرات حيث كان شهيدنا لا يمثل دور المستمع والمستقبل لكل ما يُلقى عليه بل كان يثير النقاش حول الإسلام وأنه النظام الأصلح للمجتمع فما كان من الجبناء إلا محاولة منعه من إثارة تلك المواضيع لما لها من تأثير على الطلاب ، وذات مرة استدعوه إلى ما يدعونها بغرفة الاتحاد لكي يمنعوه من طرح المواضيع داخل الصف بحجة أنها تثير الفتن بين الطلبة وكان رئيس الاتحاد آنذاك المراهق المعروف بملاحقته للفتيات حقي إسماعيل التكريتي ، والذي كان يخافه كثير من طلبة المعهد لأنه من العصابة التكريتية ، ولكن الشهيد حسين قد استمدّ من سيده الحسين ـ عليه السلام ـ ذلك الصمود والصلابة الكربلائية بوجه يزيد عصره ، فقد قال شهيدنا الحسيني البطل لذلك اليزيدي الجبان انني لا أؤمن بالأحزاب أنا أؤمن بالاسلام فقط ، وانتم احرار فيما تريدون عمله فافعلوا ما شئتهم ، ليسجل ذلك الموقف البطولي في صفحات التاريخ بأحرف من ذهب ، بينما سوّدت أعمال البعثيين صفحات التاريخ بأعمالها الإجرامية وحقدها الدفين على البشرية . .

    فعادوا إلى وسائلهم الجبانة حيث راحوا يرتبون الأمور مع أحد الأساتذة ليرسبوه في درس الرياضيات فيعيد سنة جديدة ، وهنا لابدّ من الإشارة إلى نقطة مهمّة وهي أنّه رغم تبجّح البعثيين بالسيطرة على أعدائهم كانوا لا يفهمونهم ولا يدركون معادن الذين يحاربونهم ، ولذلك فقد كانت جرائمهم نيرانٌ تأكلهم واحداً تلو الآخر ، فقد كانت إعادة السنة بالنسبة للشهيد حسين فرصة ثمينة في الالتقاء بالطلبة الجدد ، وهذا درس آخر يعلّمه لنا الشهيد ، حيث إن شهيدنا يستفيد حتى من هذه المشكلة ( أي الرسوب ) التي قد تسبّب لبعض الطلبة الحزن واليأس من كل شيء . .

    هذه هي حياته الدراسية وهي صورة رائعة لفنّان بارع استطاع أن يلوّنها بمختلف ألوان الشجاعة والتحدّي والسعي للدعوة إلى الأخلاق وغيرها من الصور والمواقف التي هي أهلاً للإقتداء والتأسّي . .

    وأمّا في منطقته فهو كباقي الشهداء ؛ شموس تتوسّط السماء في النهار فترسل أشعتها الدفء لكل مسكين ومحتاج أرهقه صقيع  الحرمان ،  وأقمار بين نجوم الليل تنير ظلمات الدنيا بأنوار الهداية والقداسة ، فترى الواحد منهم كالأم الحنون مع باقي الناس ، وفي المقابل ومع أعدائهم فهم جبال لا تهتزّ أبداً { . . . أشدّاء على الكفار رحماء بينهم . . . } ( الفتح / 29 ) . .

    وهكذا كان شهيدنا ، فكما كان جبلاً في وجه أعدائه البعثيين ، كان في المقابل قلباً رحيماً يحتضن المسكين ويداً كريمة لا تبخل بما تملك في سبيل المساعدة لكل من يحتاجها . .

    ولكننا مهما عشقنا الشهداء فهم لن يبقوا معنا في هذه الدنيا لأنها ليست أهلاً لأن تكون مكاناً يحتضن أرواحهم المقدّسة الطاهرة ، فهل لأمراء الجنّة مكاناً سوى الجنّة ؟!

    ولِذا بدأ يوم الشهادة يقترب ، تلك الأمنية التي هي حلم كل بطل ومجاهد ، حيث جاء شهر حزيران وبدأت الاعتقالات في صفوف العلماء والشباب المؤمن ، وقد كان لشهيدنا الغالي الدور القيادي في المظاهرة التي انطلقت في مدينة الصدر يوم 11 ـ 6 ـ 1979 م حيث كان يحمل وبتلك البطولة الحسينية مسدساً قاوم به أزلام السلطة وقد كان لسانه ـ ذلك السلاح الذي رافقه منذ طفولته ـ يحثّ النّاس على الاشتراك بالمظاهرة والتعبير عن استنكارهم ورفضهم للنظام ، وكما هم البعثيون الذين لا يمتلكون شجاعة المواجهة المباشرة فليس في قاموسهم سوى كلمة الاعتقال ومن ثمّ إظهار كلّ بشاعة يمتلكونها وقوّة مزيّفة لا يظهرونها إلا في ظلمات السجون ، حيث عندما يواجهون المجاهدين الأبطال مواجهة مباشرة لا تظهر هذه القوة بل يصبحون كتلةً من رعب وخوف وفرار ( وسقوط بغداد دليل على جبنهم ) ولذا أُلقي القبض على شهيدنا البطل ونُقل مع مجموعة من أصحابه إلى وكرٍ من أوكار البعث الدموية و البشعة في التعذيب والقتل والإرهاب ألا وهي مديرية الأمن العامّة في بغداد حيث انقضّت تلك الوحوش الضارية على شهيدنا البطل بشتى صنوف التعذيب والإرهاب ظانّين بأنّ هذا البطل إن فُتت جسده ستفتت روحه ، غافلين عن كون هذه الروح هي روح لشهيد أي روح لأمير من أمراء الجنّة ، فهيهات للسوط وللكهرباء بل لأي شيء من هذه الدنيا أن تنال ولو بشيء قليل من تلك الروح المقدّسة الطاهرة والخالدة رغم أنوف الطغاة والمتغطرسين . .

    وها هي المحكمة الصورية برئاسة المجرم العفلقي المعروف مسلم الجبوري تحكم عليه وعلى مجموعة من أصحابه بالإعدام  ، فكان شهيدنا يقول اللهم ارزقنا الشهادة فهي وسيلة المؤمن إلى الجنة ، ويا لها من كلماتٍ زلزل صداها الأرض من تحت أقدام الطغاة ، وبقى صداها يتردّد أناشيد الانتصار فتحفر بالدّم بدل الذهب في صفحات الوطن الأبي ، التي نوّرتها أسماء الشهداء ولونها نجيعهم بالأحمر القاني؛ أن هيهات منّا الذلّة ، ليبقى الزمن هو الزمن : عاشورائي فدائي ويبقى المكان هو المكان : كربلائي أبيّ . .

    وهكذا تفتّحت أبواب الجنان وتزيّنت الحور العين لاستقبال ذلك العريس الشهيد ، فتبتهج السماء ، وتودّع الأرض العطشى ابنها البار الذي أبى إلا أن تكون دماءه سقياً لها ، وجسده قرباناً لنيل حريتها من كل عفلقي متغطرس . .

    نعم ، فقد أُعدم فارسنا الشهيد البطل مع باقي أبطال هذا الوطن وفرسانه في 28 ـ 6 ـ 1979 م ، لترتفع روحه المقدّسة إلى بارئها نقية طاهرة عزيزة مفتخرة ، حيث لم تسجد لأصنام البعث بل كان سجودها لله دوماً وأبداً ، فهنيئاً لك يا حسين مصافحة سيدك الحسين ( الحسين سيد الشهداء ) وهنيئاً لك ذلك الوسام والبر الذي ليس فوقه بر ( قال ـ صلى الله عليه وآله ـ : فوق كلّ ذي برّ برّ حتى يقتل في سبيل الله ، وإذا قتل في سبيل الله ، فليس فوقه برّ ). .



    وسلاماً عليك يوم ولدت ويوم جاهدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيّاً مضرّجاً بدمائك الطاهرة تشكو ظلم الطغاة . .





المشاركة السابقة : المشاركة التالية


5 بدون عنوان

زوار الموقع من تاريخ 18 - 10 - 2005

free html visitor counters

Powered by: Arab Portal v2.1 , Copyright© 2007